• فرانس بالعربي

الشعبويون لا يقرؤون ...من ديغول إلى ترمب مروراً بالقوتلي وعبد الناصرو صولاً ل ... !!؟؟



لم تنقص الجنرال شارل ديغول أي شرعية لحكم فرنسا ، وشرعيته تلك لم تأت في عملية توريثٍ جمهوري اختصت به دول العالم الثالث، ولا ببيعةٍ مقدسة قدمها له جمهور الحزب القائد ، وقطعاً ليست في انقلابٍ عسكريٍ على رفاق الأمس. اكتسب شارل ديغول شرعيته في كفاحه العسكري والسياسي لتحرير بلده من براثن النازي الذي احتل جنوده باريس ، ومعظم التراب الفرنسي. في الجزء الأول من مذكراته الجديرة بالقراءة ( مذكرات الحرب ) يصف الجنرال ديغول كيف استطاع أن يطلق ( النداء - النفير ) الذي استنهض همم الفرنسيين لينخرطوا في مقاومتهم السرية ضد النازي وليبدأ هو شخصياً رحلته المضنية في توحيد ما تبقى من مكونات الجسد الفرنسي المنهك بين هزيمة على يد الأعداء وطمع ووصولية على يد الحلفاء ( مذكرات الوحدة ). يتصاعد نضال ديغول ومعه الفرنسيين ليصل إلى التحرير الذي أتى بمرحلة السلام ( مذكرات السلام ). في الجزء الثاني من مذكراته الذي يحكي عن فرنسا مابعد الحرب يتكلم ديغول عن جهده في بناء فرنسا المتحررة من النازي ومن أطماع حلفائها ، ( مذكرات الجهد ) ليتابع مسيرته في بناء وتجديد فرنسا ( مذكرات التجديد ) لينطلق بها من الجمهورية الرابعة ( ١٩٤٦-١٩٥٨ ) إلى الجمهورية الخامسة التي حكم من خلالها فرنسا من ١٩٥٨ إلى ١٩٦٩. ديغول في قمة تربعه على مجدٍ تليد عمل فيه لفرنسا طوال حياته مناضلاً عسكرياً وسياسياً ، حقق لها وحدتها وتحررها وعودتها إلى موقعها بين الأمم، شاء أن يتقدم بمشاريع قوانين جديدة من شأنها أن تدفع بفرنسا بشكل أسرع في طريق حكم لامركزي ارتأى فيه ديغول ضماناً للتقدم الإقتصادي السريع الذي يصبو إليه في موقعه كرئيس لها. جوبهت مشاريع اللامركزية التي تقدم بها ديغول و التي ترمي لإعطاء صلاحيات أكبر في الأقاليم على حساب الحكومة المركزية برفض شعبي واسع خاصة في صفوف العمال في وقت كان الطلبة فيه بالأصل في حالة تظاهر مستمرة مطالبين بإصلاحات ليبرالية في التعليم الجامعي. لم يشفع للجنرال ديغول كل الإرث السياسي الرفيع الذي يمثله، فانطلقت مظاهرات العمال لتنضم لمظاهرات الطلاب التي بدأت بتصاعد منذ ١٩٦٨ في شوارع باريس والمدن الكبرى هاتفةً ضد مشروعه ومطالبة بنظام تعليم جامعي أكثر تحرراً. اتساع موجة المظاهرات وحِدَّتَهَا كان لافتاً للجنرال، الذي كان يرى في مشروعه لللامركزية رافعة مهمة لبلده، وكون الأمر يمس حياة شريحة عريضة من الفرنسيين فقد اختار ديغول بحسه السياسي المرهف أن يطرح حزمة القوانين التي تمثل رؤيته الجديدة لاستفتاء شعبي عام في ١٩٦٩ مع وعدٍ للفرنسيين بالإستقالة في حال لم يحصل مشروعه على غالبية مطلقة. سقطت حزمة مشاريع قوانين ديغول في الإستفتاء وشكل سقوطها هذا لحظة فاصلة في عمر الجمهورية قرأها ديغول ( رغم حالة الصدمة التي مني بها ) بكل شفافيةٍ وفهمٍ عميقين، أدرك من خلالهما أن وقت الرحيل قد حان. رغم أن التصويت كان على مشروع ديغول وليس على شخصه، فقد قرأ شارل ديغول السياسي والعبقري والإنسان هذه اللحظة السياسية الفاصلة التي يمر بها بلده بكل اقتدار ، فآثر الإنسحاب ، وقدم استقالته للشعب الفرنسي كما وعد ، ليخرج بقامته العالية المنتصبة من قصر الأليزيه و ليدخل وجدان الفرنسيين زعيماً خالداً حياً أبداً في ضمائرهم.


مفصل مشابه لهذا أستذكره من وطني سورية ، يتحدث عن لحظة فاصلة في تاريخ هذا البلد الذي تحول من بلدٍ عظيم لبلدٍ منكوب. الزمان هو نهايات عام ١٩٥٧ وسورية التي أرهقتها الإنقلابات العسكرية دخلت مرحلة إنسداد تسبب بها إنقسام سياسي حاد لم تستطع أي من أطرافه الفاعلة أن تحسم الأمور لصالحها في الشارع السوري الذي كان لا يزال يمور على وقع مأساة نكبة فلسطين وتداعياتها، كذلك تداعيات الإستقطاب الإقليمي المتربص بسورية متمثلاً بمحاولات ضمها لحلف بغداد التي تجد صدىً لها في جمهور حزب الشعب وخلفه البورحوازبة الحلبية ، يقابل ذلك توجه نحو مصر الليبرالية ( قبل ٥٢ ) والحجاز عند جمهور الكتلة الوطنية وخلفها البورحوازية الدمشقية، وصعود نجم عبدالناصر الذي لمع بعد مواجهته للقوى الكبرى ودحره العدوان الثلاثي عام ٥٦ ، وبين التيارين محاولات حثيثة من الشيوعيين والبعثيين والقوميين السوريين للإطباق على الحكم، ولعل رئاسة القوتلي الثانية كانت تعبيراً عن هذا التعادل السلبي لجميع القوى السياسية. جاء شكري القوتلي مدعوماً بإرثٍ وطنيٍ لافت تَحَصَّلَ عليه في نضاله ورفاقه الوطنيين من أجل استقلال سورية من المحتل الفرنسي، وعَمَلٍ سياسيٍ متصل في حزبه الكتلة الوطنية ، وكانت رئاسته الأولى بين ١٩٤٣-١٩٤٩ والتي أنهاها انقلاب حسني الزعيم عام ٤٩ استكمالاً لمسيرته من أجل الإستقلال ومن ثم إلغاء الإنتداب وبداية تقارب عربي مع مصر ممثلةً بالملك فاروق والعربية السعودية ممثلةً بالملك عبد العزيز آنذاك. لا ينتقص أبداً من الإرث الوطني للراحل القوتلي بساطة وسذاجة سياسية أخذها عليه منتقدوه، ولكن هذا لم يحل بين الرجل الكبير وقراءةٍ واضحة وعميقة للحظةٍ فاصلة كانت تمر بها سورية في نهاية الخمسينيات، وأن التوافق الهش الذي أتى به لرئاسته الثانية كان على وشك السقوط، سقوطاً قد يؤدي بوطنه لمجهولٍ لا أحد يدرك أبعاده. زيارة الوفد العسكري السوري في أوائل يناير ١٩٥٨ و المؤلف من الطيف السياسي السوري بغالبية بعثية ورئاسة رئيس الأركان الشيوعي عفيف البزري إلى مصر عبد الناصر ، دون علم الرئيس القوتلي ، في توقيتها وظروفها المحيطة، كانت الإشارة الواضحة له و التي لاتقبل المواربة بأن سورية على مفترق طرقٍ خطير. عبد الناصر الذي تردد بدايةً في استقبال الوفد واستهجن فيما بعد طلبه الوحيد بإعلان الوحدة الفورية بين سورية ومصر، ربما أدرك أيضاً حجم الإنقسام السياسي في الجيش السوري، الفاعل الأهم في الحياة السياسية السورية، تعزز ذلك بقراءة فرصةٍ سياسيةٍ سانحة للزعيم الصاعد الذي لايزال مزهواً بإنتصار ٥٦ ، لتصبح الوحدة هدفاً يجتمع عليه أطراف عدَّة برؤى وأجندات مختلفة. لا أحاول أبداً أن أبخس القوتلي حقه، فالرجل علاوةً على وطنيته التي هي فوق كل جدال، كان دوماً عروبياً ذو توجه قومي. هذا النفس القومي العروبي عند القوتلي كان تعبيراً حقيقياً وصادقاً عن الوجدان السوري العام ، منذ بداية تشكل الوعي السياسي الجمعي للسوريين بعد الإستقلال، لم تنل منه بعد شوفينية البعثيين ولا استعلاء الناصريين. أزعم ( وقد أكون مخطئاً ) أن القوتلي كان ليغَّلِّبَ همه ومسؤوليته الوطنيان على هواه العروبي لو لم يقرأ تلك اللحظة المفصلية التي يمر بها بلده، فآثر بغيرية ونبل غير مسبوقين أن يبارك الوحدة مع نظام عبد الناصر، كآخر الطب الكي، ليجنب سورية التي يحب المجهول الذي كان يحيق بها نتيجة للإنقسام السياسي الرهيب الذي كانت تعيشه، يضاعف من أخطاره تَمَثُلَ كل قوى الإنقسام تلك بكتلٍ وازنة في الجيش الذي وصل بجهود الحوراني لمرحلة الإدمان السياسي.

خرج القوتلي من قصر المهاجرين بقامته الوطنية الفارعة رئيساً جليلاً ودخل خالداً قلوب السوريين كأول رئيسٍ يتخلى طوعاً عن منصب الرئاسة مفسحاً المجال للوحدة التي تعلقت بها أفئدتهم، ومعها تسمية "المواطن العربي الأول" التي أنعم بها عليه جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربية المتحدة. الزعيم الكبير فارس الخوري اختلف لآخر يوم في حياته مع رؤية القوتلي وقراءته تلك ، في موقفٍ من الوحدة، لم يمنع ذلك ان يكون القوتلي الكبير على سرير مرض الخوري مواسياً وفِي مقدمة موكب جنازته مشيعاً ... فالزمن كان زمن كبار ....


نفس المسرح سيعيش مشهداً آخرَ بنفس اللاعبين، وأدوار مختلفة ، بعد ثلاثٍ عجاف من عمر وحدةٍ سلقها البعثيون وأنصارهم، بكل انتهازية ونفاقٍ سياسي، ركبوا موجتها ليقصوا بها خصوماً ماكان ماتبقى من مناخ سياسي ليبرالي بامتياز قبل الوحدة ليسمح لهم بإخراجهم من اللعبة ، بل تركوا المهمة بدهاء لعبد الناصر، الذي وقع في أول أفخاخ البعث، زاد في ذلك أخطاء وخطايا نظامه الأمني القمعي الذي سلطه على هذا البلد الذي أحب الزعيم الأسمر وأخلص في حبه. لا أستطيع أن أفصل أبداً بين مراهقات ثعلب البعث أكرم الحوراني السياسية ومناكفاته لعبد الناصر و صورة صلاح الدين البيطار أحد أعمدة البعث موقعاً وثيقة الإنفصال ، في سقطةٍ تاريخية ستعيش مع الرجل حتى يأتي موعد حصاده، على يد رفاق الأمس، إنها صورة البعث في أقذع تجلياته السوريالية العابرة للأجيال. عبد الناصر الذي كان بحاجةٍ لكأسٍ بمرارة ٢٨ أيلول لتهبط به من علياء ديموغاجيا الخطابة، إلى درك واقع أخطاء نظام توتاليتاري ضيَّعَ منه سورية التي أحبها وأحبته، ومع الهبوط تأتي حالة الصحوة و تحكيم الضمير السياسي والإنساني، يتخذ قراراً شجاعاً وواعياً بوقف عملية عسكرية تنفذها صاعقة جلال هريدي في إنزال مظلي بدأ فعلاً في سماء اللاذقية، لإعادة فرض الوحدة، ويقول كلمته المشهورة ( لا أريد أن أكسب الوحدة ... وأخسر سورية ) . أضع كلمة عبد الناصر هذه برسم ناصريي اليوم من ماركة الجبهة الوطنية التقدمية وأشباههم، الذين يبررون دفاعهم عن النظام بخوفهم على سورية. عذرهم أنهم لم يقرؤوا اللحظة الفاصلة التي قرأها عبدالناصر في الأيام القليلة التي تلت عملية الإنفصال، وبأن واقع مرارة وأخطاء تجربة الوحدة ( على سموها ونبلها ) قد أطاح بها ولا عودة للوراء.


مشهدٌ أخير أنتقل له، على الضفة الأخرى من الأطلسي، تحديداً في واشنطن، وعلى امتداد الولايات المتحدة الأمربكية ، لا زلنا نعيش تداعيات فصوله التي ستستمر معنا إلى ٢٠ يناير من العام المقبل، موعد تسلم الرئيس المنتخب بايدن سلطاته بعد أدائه القسم الدستوري . دونالد ترمب الغريب عن كل مايمت للحياة السياسية الأمربكية بصلة وصل للرئاسة كتتويج لظاهرة شعبوية عالمية تمتد من موسكو إلى أنكوراج مروراً بالقارة العجوز. من يعرف المجتمع الأمريكي جيداً يدرك أن الظواهر الشعبوية فيه قد تكون ( في ظروفٍ استثنائية ) قابلة للولادة، ولكنها قطعاً لن تكون مرشحةً للحياة. من تابع فصول الحملتين الإنتخابيتين لترمب وبايدن وكذلك المعركة الإنتخابية التي بدأت مع أول أيام الإنتخاب المبكر، وحتى موعد حسم النتائج في بعض الولايات، يدرك بشكل قاطع حجم الإنقسام السياسي الحاد والغير مسبوق الذي تعيشه أميركا اليوم. ترمب الذي يحاول جاهداً الإبقاء على كتلته الصلبة المتماسكة في حالة استنفار دائم يرمي من ورائه لإبقاء حالة الشعبوية ( الترمبية ) متقدةً ومشتعلةً لسنين بعد مغادرته البيت الأبيض. أعلم تماماً أن كل الهرطقات والتخرصات التي يقوم بها أنصار ترمب لن تغير من نتيجة الإنتخابات ، فالمقترع الأمربكي قال كلمته ، وانتهى الأمر ... وللذين يتنبؤون بحالات عدم استقرار في المشهد السياسي الأميركي أبشرهم بأنه لا خوف من ذلك ، فالآباء المؤسسون للولايات المتحدة لم يتركوا أي شيء للصدفة، وهناك حلول لكل ماقد تتفتق عنه عبقرية ترمب وشعبويته في سبيل الإحتفاظ بالسلطة. في ردي على تساؤلات العديد ممن أتواصل معهم حول توقعي لسير الأمور في ظل تمسك ترمب بعدم شرعية الإنتخابات، كنت أقول دوماً: بغض النظر عن أي مسار قانوني أو دستوري أو سياسي ، فإن المزاج العام الأمريكي بديمقراطيبه ومستقليه وغالبية جمهورييه قد تجاوز ترمب ، وهو اليوم شيء من الماضي. لن يستقيم أبداً أن ألوم دونالد ترمب في عجزه عن قراءة اللحظة السياسية الفاصلة التي قرأها قبله شارل ديغول وشكري القوتلي وجمال عبد الناصر ، ليس لأن المقارنة لا تجوز أصلاً بين هؤلاء ومهرج من صنف ترمب ، وإنما لسبب آخر تماماً سيذكره الأمريكيون وغيرهم دوماً عن هذا الرجل الأخرق ... ترمب كان وسيبقى رمزاً لحالة شعبوية حمقاء ملؤها العنجهية والخيلاء ... ترمب شعبوي والشعبويون لا يقرؤون .... فماذا عن دكاترة العيون ؟ نشمي عربي كاتب سوري مقيم في واشنطن.