بحث
  • فرانس بالعربي

العسكريتاريا كحالة سياسية



بقلم نشمي عربي ( كاتب سوري يعيش في واشنطن)

لاتزال الدعوات التي انتشرت بكثافة مؤخراً لإنشاء مجلس عسكري انتقالي تستدعي الكثير من التعليقات والتساؤلات والردود والردود المقابلة ، بما أعاد للمشهد السياسي السوري حراكاً افتقده منذ فترة طويلة. على المستوى الشعبي والوطني كان لافتاً حجم الدعم والتأييد لفكرة المجلس كنافذة ضوء ولو أنه بدأ صغيراً ولكنه يكبر مع الوقت في نهاية نفق طويل عانى من ويلاته السوريون كلهم ماعانوه. على مستوى المعارضة السياسية بمختلف بناها ومنصاتها وهيئاتها وكذلك النخب السياسية التي تحيط بها فإن التعاطي الإيجابي النسبي لمعظم هؤلاء مع فكرة المجلس لم يستطع أن يتجاوز حقيقتين واضحتين: الأولى تعبر عن حالة توجس لدى السياسيين بأن تكون الدعوة لإنشاء مجلس كهذا ربما تكون على حساب دورهم في العمل السياسي المعارض الآن، وفي الداخل غداً. الثانية ولعلها من أسباب الأولى ربما تعبر عن حالة عدم فهم واقعي لموضوع المجلس العسكري برمته، فمنهم من رأى فيه مركبة سريعة للوصول لسلطة تداعب مخيلاتهم، في وقت لاتزال عملية الإنتقال السياسي برمتها هدفاً لم يحصل بعد حتى على الحد الأدنى من التوافق لطريقة الوصول إليه. هذا اللبس في مواقف السياسيين ربما يكون مرده لحالة لبس أكثر أصالةً ( وربما فداحةً ) لمراحل عملية الإنتقال السياسي كما وردت في القرار الأممي ٢٢٥٤ والتي تنص صراحةً على: (( إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوَّل سلطات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، )). القرار إذاً يتحدث عن هيئة حكم انتقالية جامعة، بمعنى أن فيها شق عسكري وشق سياسي، والأهم أنه سيتمثل فيها أطراف من النظام، عسكريين وسياسيين، وربما أمنيين ، وهذه حقيقة لايمكن القفز فوقها بغض النظر عن آمال وطموحات السواد الأعظم من السوريين في التخلص من كافة البنى السياسية والعسكرية والأمنية التي يرون فيها ( وهم محقون ) مسؤولاً مباشراً عن كل الآلام التي مروا ويمرون بها. الآمال والطموحات شيء ، ربما يستقيم في الأدب والفكر والإنشاء، ولكن السياسة أمر آخر ، وواقعيتها ربما تكون صادمة للكثيرين. الأمر الملفت للنظر فعلاً هو أن يكون العسكريون في حراكهم أكثر واقعيةً من السياسيين في فهم هذا الأمر، ففي الوقت الذي حرص فيه كل الضباط الذين تحدثوا في أمر المجلس العسكري على توضيح نقطتين مهمتين ، الأولى بأن المجلس العسكري سيكون موازياً لمجلس سياسي، يشكلان معاً هيئة حكم انتقالي تقود البلاد إلى مرحلة الإنتقال السياسي المطلوب، والثانية بأن المجلس العسكري يجب أن يكون فيه ضباط من المعارضين المنشقين الذين لم يدخلوا في لعبة الفصائل وأمراء الحرب فكذلك يجب أن يشمل ضباط من النظام ، خصوصاً أولئك الذين يتم التوافق على أنهم لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين، وفي هذا تماهي واقعي مع نص وروح القرار ٢٢٥٤ مما قد يؤمِّن في مرحلة قادمة الحامل الدولي الذي لم تخل منه تصريحات وتعليقات كل السياسيين، فلاتزال تصريحات بعض السياسيين لاتخلوا من دعوات إلى استئصال البنية السابقة كلياً واستبدالها وبالمطلق ببنية جديدة ليس هناك أي توافق على شكلها، ودورها، والأهم على كيفية الوصول لنقل هذا الحلم من ديماغوجيا الخيال إلى أرض الواقع السوري المعقد، منتبهين أو غير منتبهين إلى أن هذا المراس ربما كان أحد أسباب طول الأزمة السورية واستحكام عقدها. القريبون من أفكار العميد مناف طلاس الذي يحظى حتى اليوم بالكم الأكبر من التوافق على أن يقود المجلس يؤكدون على أن المجلس العسكري الذي يتم العمل بجهد متواصل من أجل قيامه لابد أن يكون متزامناً مع مجلس سياسي يقودان معاً سورية في المرحلة الإنتقالية، و أن يضم المجلس ‏ضباطاً من النظام كما من المعارضة ، وأنه في الوقت الذي سيطَّلع فيه هذا المجلس بمهام تأمين السلم الأهلي لكل السوريين في المرحلة الإنتقالية فإنه لن يتأتى له ذلك دون بذل كل جهد لإعادة كافة الضباط المنشقين إلى السلك العسكري النظامي، لابل والعمل بكل مايمكن على ضم كافة الفصائل والتشكيلات العسكرية إليه بما يضمن ترسيخ الدور الوطني الجامع لهذا الجيش وتحويله من جيش النظام إلى جيش الوطن ونزع الصفة الطائفية عنه والتي فيها ظلم كبير للجميع خاصة أولئك الذين يتم النظر إليهم من خلال مكونهم الطائفي الذي جعلهم في عيون الكثيرين في اصطفاف تلقائي مع النظام وهو أمر يخلو من الدقة ولايمكن تعميمه دائماً. هذا الجهد سيتزامن أيضاً ( يتابع هؤلاء ) مع جهد آخر لايقل أهميةً يعنى بإعادة تركيب المؤسسة الأمنية والتأكيد على دورها الوطني في حماية السوريين بعد أن اقتصرت أدوارها على قمعهم وبث الرعب في نفوسهم وعقولهم. هذا الجهد المتكامل هو الذي سيضمن قدرة هيئة الحكم الإنتقالي مجتمعةً على الحفاظ على بنية الدولة السورية بهياكلها الحكومية الإقتصادية والخدمية رغم حالة الإهتراء الكبير الذي وصلت له ومحاولة الترميم والبناء دون الوقوع في حالات فراغ رأينا آثارها الكارثية في دول مجاورة. المجلس العسكري كما يراه الكثير من السوريين اليوم سواءً من جهة العمل على الدفع به، أو لجهة تصوراته لدوره في المستقبل السوري يعبر عن حالة سياسية بامتياز ، كان خياره منذ البداية صناعة لحظة التوافق المحلية بدلاً من انتظارها ، وهو قد نجح مبدئياً في ذلك ولايزال يسير بهذا الإتجاه، ونجاحه في صناعة لحظة التوافق الوطنية السورية مرفوداً بتماهي نظرته المستقبليه لدوره سيكون دافعاً ومؤشراً على نجاح مماثل في صناعة لحظة التوافق الدولي أو على الأقل الدفع باتجاهها. الأطراف الإقليمية والدولية تملك من البراغماتية والميكافيللية ما سيجعلها تلتحق بتلك اللحظة الدولية، ولو تأخر ذلك. الأمر اللافت الآخر هو أن العسكريين في حراكهم وجهدهم المتواصل لم يعتبروا أنفسهم بديلاً ولا اختصاراً لأي جهد آخر يقوم به السياسيون، بدليل عدم دخولهم في مهاترات حتى مع أولئك الذين كانت لهم مواقف سلبية من فكرة المجلس العسكري، بل تركوا الباب مفتوحاً أمام الجميع ليمضوا بجهودهم ومبادراتهم التي مع الأسف لم تفضي حتى اليوم لأي نتيجة ملموسة.

0 تعليق

Subscribe Form

Téléphone + 33 6 44 98 82 61

©2020 by France en arabe /فرانس بالعربي

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now