بحث
  • فرانس بالعربي

المغربيات في سوريا..يطلبن عفو أمير المؤمنين


الأسبوع -فرانس بالعربي




السيدة مريم زبرون، هي واحدة من الأمهات اللواتي فوجئن بالتحاق فلذات أكبادهن بصفوف القتال إلى جانب ما سمي “تنظيم الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق، وهي في نفس الوقت الكاتبة العامة للتنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين المغاربة في سوريا والعراق، غالبت دموعها لتحكي لـ”الأسبوع” قصة ابنها قائلة: ((ابني طالب مهندس كان متفوقا في دراسته، تربى في أسرة مسلمة، نصوم ونصلي الفرائض ونجتهد في النوافل، لم نكن يوما متشددين، عاش طفولة عادية، بعد نهاية دراسته بالأقسام التحضيرية، التحق بمدرسة المهندسين، وهنا بدأ التغيير يطرأ على ولدي، حيث التزم وأصبح يداوم على الصلاة في المسجد ويكثر الصيام، لكننا كنا فرحين بهذا التغيير، لأننا اعتقدنا أنه سيحميه من الانحراف.. لكن بعد اجتيازه لامتحانات الدورة الأولى، أخبرني أنه يريد السفر إلى أكادير لزيارة صديقه، لأتفاجأ بعدها بسفره إلى تركيا وبعدها إلى سوريا، كانت الصدمة قوية زلزلت حياتي وبعثرت كل أوراقي.. أحسست حينها أن كل شيء ضاع.. ضاع الحلم الذي حلمته 19 سنة)).

مع توالي سرد القصة، تجهش الأم مريم بالبكاء وتسترسل: ((لا أعلم كيف تم استقطاب ولدي، ولا المسؤول عن هذا الفعل الشنيع، لم يكن ابني يوما ما عنيفا، كان مسالما، بشوشا يحب الضحك والاستماع للموسيقى، كان يتمتع بذكاء خارق ومتفوق دراسيا في العلوم الرياضية..)).

هي رحلة معاناة طويلة على لسان مريم، انطلقت مع سفر مفاجئ لابنها، بالتزامن مع تلك المرحلة التي تم فيها التغرير بشباب مغاربة للالتحاق بجبهات القتال رفقة “داعش”، حيث كانت الأم تشعر بأن شيئا ليس على ما يرام منذ اليوم الذي قال فيه الابن في مكالمة هاتفية: ((توحشت صوتك))، وكانت تلك آخر مكالمة للأم مع ولدها، قبل أن تعرف أن ابنها الذي كانت تعتقده مسافرا داخل المغرب، قد التحق بصفوف المقاتلين، حيث صور لمجموعة من الشباب أنهم سيلتحقون بالجنة، ((فكانت هذه هي الضربة القاضية، فسقطت على الأرض ولم تعد قادرة على المشي))، تقول مريم قبل أن تحكي عن مسار الدوامة القانونية، بعدما اضطرت الأسرة للتبليغ عن ابنها في الكوميسارية، حيث تم “استنطاق الأب” طيلة يوم كامل، بينما كانت الأم تمني النفس بعودة ابنها، وكانت تتوسله للعودة عبر الهاتف، لكنه كان يرد بكلمة واحدة، قاسية على قلب الأم: ((الواليدة انسايني)).

موضوع شائك مثل هذا، يتطلب طرح الكثير من الأسئلة، وقد طرحت “الأسبوع” الكثير منها على الأم مريم، حيث يتشابه الفضول الصحفي مع الفضول البوليسي، منها: هل تملكون إحصائيات عن المغاربة العالقين في سوريا والعراق؟ هل هؤلاء المحتجزين شاركوا في عمليات قتالية مع “داعش”؟ ماذا عن الدور الذي قامت به المغربيات؟ لماذا هذا الربط بين العراق وسوريا رغم اختلاف الأماكن؟ هل نتحدث عن نفس التنظيم؟ كيف تم استقطاب هؤلاء للعمل القتالي مع “داعش”؟ هل هم محتجزون لدى الحكومات، أم لدى ميليشيات أو تنظيمات؟ هل يتم تعذيب المغاربة هناك؟ هل هناك جرحى ومرضى؟ هل تتعرض النساء للعنف؟ هل تم فعلا استغلال النساء في جهاد النكاح كما روجت لذلك بعض الجهات؟

هذا فقط جزء من الأسئلة التي طرحتها “الأسبوع”، والأكيد أن المغاربة يطرحون أسئلة أكثر من ذلك، فهناك من سيعتبر أن فتح حوار لعودة مغاربة “داعش” إلى المغرب يشكل خطرا على الاستقرار، وهذا السؤال طرحناه على مريم أيضا، كما قلنا أن “التنسيقية” تتحدث عن العالقين كما لو أن الأمر يتعلق بـ”ضحايا”؟ والواقع أننا نتحدث عن مغاربة اختاروا التدخل في شؤون دول أخرى وتورطوا في محاولات لقلب النظام هناك..

توصلت الكاتبة العامة للتنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين المغاربة في سوريا والعراق، بكل هذه الأسئلة، لكن إجراء حوار عبر تقنية “الواتساب”، بعد مجهود قام به الباحث عبد الفتاح الحيداوي، لم يكن يسمح بتلقي الأجوبة بشكل مفصل ومرتب، ولكن مع ذلك، كانت بعض الأجوبة واضحة عن الأسئلة التالية على لسان مريم:

– هل شارك العالقون في عمليات قتالية مع “داعش”؟

+ نعم، هناك فئة من الرجال شاركت في القتال، وهناك فئة من الشباب فقط هاجرت ووجدت الواقع مختلفا عما تم ترويجه بينهم.. وهناك شباب سافر بعدما صوروا له الجنة، وخلافة على عهد الرسول، وأنهم سيعيشون التدين الحقيقي.. لكن الكثيرين فوجئوا بالواقع، وحاولوا تدارك خطئهم بمحاولة “الهروب”، لكن الأمر لم يكن ممكنا، حيث تم الزج ببعضهم في السجون..

– ما دور النساء المغربيات؟

+ لقد كن في شباك العبودية والقهر والاستعباد، ومنهن من التحقن بأزواجهن، وهناك من رافقن العائلة بحكم صغر السن، وهناك القليل منهن من رحلن بمحض إرادتهن.. هؤلاء النساء يعشن ظروفا صعبة وكلهن يعبرن عن رفضهن لهذا الواقع، وكان دورهن محدود في البيوت ولم يشاركن في العمليات القتالية..

– من يقوم بعملية الاحتجاز؟

+ الميليشيات الكردية.

– هل فعلا مارست النساء جهاد النكاح؟

+ الأخوات اللواتي نعرف ملفاتهن، لم يمارسن ذلك، فقط هناك البعض ممن توفي أزواجهن وتزوجن مرة أخرى، وهناك من بقيت في “المضافة” (منزل مخصص للنساء وأبنائهن).. إنهن يتعرضن للعنف داخل المخيمات من طرف العساكر الأكراد، ويتعرضن للسب والقذف..

– ألا تشكل عودة “مغاربة داعش” خطرا على الاستقرار؟

+ نحن كتنسيقية، نتحدث عنهم من الجانب الحقوقي، والدولة قادرة على إرجاعهم واتخاذ الإجراءات اللازمة في حقهم، نحن نميز بين النساء والأطفال الذين يجب ترحيلهم بشكل عاجل.. ثم ننتقل إلى الرجال والشباب، وهنا يجب التمييز بين من غرر به وبين من كان يمارس التغرير.. وهنا لا بد أن أشير إلى أنه معنا داخل التنسيقية شباب رجعوا من سوريا، وقضوا عقوبات حبسية واندمجوا من جديد.. ولحد الآن، لا تعيق الدولة عملنا، وهو ما فهنا منه أنه ضوء أخضر للاستمرار في هذا العمل الإنساني لحل مشكل المغاربة العالقين في سوريا والعراق.. وبالنسبة لسؤال “ألا تشكل عودتهم خطرا على الاستقرار؟”، نحن نتحدث عن الجانب الحقوقي، ولنا ثقة كبيرة في المخابرات المغربية وفي قدرتها على التمييز بين ضحايا الأفكار المتطرفة ومن كان يقوم بالتغرير.


ذكر أن مريم خصصت جزء كبيرا من حديثها مع “الأسبوع”، لكشف معاناة النساء المغربيات العالقات في سوريا والعراق، وهي حكايات مؤسفة منها ((ترحيل الأخوات إلى مخيم أسود، تتم فيه المداهمات الليلية، وحملات ضد القرآن، ومن وجد عندها هاتف، تقضي عقوبة سجنية لا تقل عن ثلاثة أشهر..))، هكذا تتحدث مريم قبل أن تضيف: ((إن بعض الأخوات تتم إزالة ملابسهن، ويتم إطفاء السجائر في أجسامهن، وهناك كذلك الصعق الكهربائي، وهناك من تتعرضن للحبس الانفرادي في مرحاض))، وتواصل: ((قبل الحديث عن الأوضاع، أريد أن أشير إلى نقطة مهمة، هي اعتراف جميع الأخوات بأنهن نادمات على ما فعلن، ندمن على مغادرة بلدهن، خصوصا بعد الذل والمهانة التي عشنها داخل المخيمات.. فالسكن داخل خيمة هو جحيم في الصيف وثلاجة في البرد)).. هذا فقط جزء من المعاناة كما تحكيه الكاتبة العامة للتنسيقية المذكورة، قبل أن تضيف: ((في فصل الشتاء، يتسرب الماء إلى داخل الخيمة، فتبتل جميع الأفرشة والألبسة، وهناك نساء لم تسلم لهن خيام، لأن الأكراد يبيعون لهن هذه الخيام، ومن لم يكن لديها ثمن الخيمة تعيش في العراء مع أبنائها باستثناء بعض مساعدات الأخوات لبعضهن)).

في إطار المعاناة دائما، تقول مريم عن ظرف عيش المغربيات هناك: ((في فصل الشتاء، تكثر الحرائق بسبب المدفأة، هذه الأخيرة تنفجر لأن الغاز الذي يزودون به المخيم يكون أحيانا غير صالح، ومختلط بمواد أخرى يؤدي إلى انفجار المدفأة، وقد ذهب ضحيتها الكثير من الأطفال والنساء، أما في فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة، فإن العالقين يعانون من غياب المياه الصالحة للشرب، وحتى وإن وجدت، فهي مياه ملوثة لونها داكن يضطرون لشربها نظرا لغلاء المياه المعدنية، هذه المياه الملوثة سببت للأطفال الجرثومة المعوية وجل النساء والأطفال يعانون من إسهال حاد.

وكل هذه المعاناة، ليست سوى مقدمة لمعاناة أكبر مع عساكر الأكراد والتفتيشيات اليومية، وسرقة كل ما يوجد لديهن في الخيام، حيث يتم الزج بالنساء ظلما وعدوانا في السجون، وخصوصا ما يسمى المنفردة، وهي الحبس 40 يوما داخل المرحاض)) تقول مريم.

وكانت مأساة العالقين والمحتجزين في سوريا والعراق قد أخدت بعدا وطنيا، بعد تنظيم جمع عام يوم 15 يناير 2020، أنشأت عقبه التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمحتجزين بسوريا والعراق، وتم انتخاب مكتب تنفيذي يترأسه عبد العزيز البقالي..

هذا من الناحية الجمعوية، أما من الناحية السياسية، فإن ((يعتزم برلمانيون مغاربة السفر إلى العراق وسوريا بهدف استقدام المقاتلين السابقين وجميع المشاركين في الحرب والمعتقلين في السجون، سواء أسرى الحرب أو مرتكبي الجرائم، ويرتقب أن تدشن المهمة الاستطلاعية، التي أعلنها مجلس النواب، من أجل الوقوف على حقيقة ما يعانيه العديد من الأطفال والنساء والمواطنين المغاربة العالقين ببعض بؤر التوتر، كسوريا والعراق، أشغالها بداية الأسبوع المقبل، بعدما تم تشكيل هياكلها بحر الأسبوع الجاري.. وطالب النواب المغاربة بالتنسيق بواسطة رئيس مجلس النواب مع كل من البرلمان العراقي والسوري، قصد القيام بزيارة للاطلاع على وضعية هؤلاء المعتقلين، وكذلك على أحوال النساء والأطفال المغاربة العالقين بهذه المواقع، وتهدف المهمة وفقا للطلب المقدم بشأنها إلى استقدام الأمهات والنساء المعتقلات أو الموجودات بمناطق بؤر التوتر إلى أرض الوطن، باعتبارهن مواطنات مغربيات، مطالبة بزيارة معاقل احتجاز هؤلاء بتنسيق مع الدبلوماسية المغربية وموافقة سلطات الدول المعنية، ومنادية بتوفير وسائل النقل التابعة للمجلس، وباقي إمكانيات التنقل خارج المغرب لإنجاز هذه المهمة)) (المصدر موقع هسبريس).

يذكر أن رئاسة اللجنة أوكلت رئاستها لفريق الأصالة والمعاصرة ممثلا بالنائب البرلماني عبد اللطيف وهبي، ونيابتها لفريق العدالة والتنمية، ممثلا في النائب سليمان العمراني..

هو إذن، ملف ثقيل ولن يحل إلا بمعالجة دقيقة، ولكن من الناحية الإنسانية والحقوقية، فإن العالقين عبروا عن ندمهم واستعدادهم للتوبة، والعودة للوطن، وفي هذا السياق، يمكن قراءة مناشدة وردت على لسان التنسيقية يقول أصحابها:

((من مخيمات الضياع والشتات في شمال سوريا.. نحن المغربيات المحتجزات لدى قوات سوريا الديمقراطية، نوجه نداء إنسانيا ووطنيا لصاحب الجلالة ملك المغرب، من أجل أن يتدخل لإنقاذ ما تبقى إنقاذه من طفولة أبنائنا.. صاحب الجلالة: إنا نقر ونعترف بخطئنا الفادح، وإنا نادمات أشد الندم لما فعلناه بأنفسنا وأبنائنا، لهذا نرجو من جلالتكم مد يد العون لانتشالنا من هذه البؤرة وإعادتنا لأرضنا وبلدنا ووطننا الحبيب، مهما قلنا عن فظاعة الوضع، فلا يمكن إيصال الحقيقة كاملة، سنوات من عمر أبنائنا ضاعت بسبب قرارات متهورة منا نحن الآباء.. جلالة الملك: لم نكن على المستوى المطلوب من الأبوة، فإنا نرجوك أن تكون الأب العطوف عليهم وعلينا ليكونوا خير عون وسند لوطنهم وبلدهم))



أعد الملف: سعيد الريحاني

0 تعليق