بحث
  • فرانس بالعربي

تهويمات براغماتية في شخص "القائد الخالد"



بقلم نشمي عربي (كاتب سوري مقيم في واشنطن)


لن أنساق وراء التخرصات الجازمة بأن حافظ الأسد استشعر "روح الزعامة" عندما كان طالباً في المرحلة الثانوية وناشطاً في إتحاد الطلبة وقتها، ... بل أذهب إلى أن رواية ترؤسه للإتحاد الوطني لطلبة سورية خلال دراسته الثانوية ربما تستند إلى إبتكارات الرفيق أحمد اسكندر أحمد، وزير إعلام الأسد المزمن، والمؤسس لنظرية الخلود ... رواية كهذه لا تستقيم إلا في فضاءات وخيالات رفاقنا منظري ( مدارس الإعداد الحزبي ) وما أرحبها .....


كذلك فإنني لاأظن أن دخوله الكلية الحربية ومن ثم الجوية كان استجابةً لروح "الزعامة" المزعومة تلك ، بل ربما أمراً حياتياً طبيعياً خضع لحاجات وشروط إنسانية وإجتماعية في المقام الأول، وهذا شأن البشر، ولا يغير في قيمة الرجل أو تاريخه سلباً ولا إيجاباً.


الثابت الذي أعلمه هو أن تطلعه ( و بإصرار وثبات ) لموقع القرار "الأزلي والنهائي" كان بكل تأكيد سابقاً لتاريخ وثوبه للسلطة في ١٦ تشرين ١٩٧٠ بسنين طوال، ولعل الفكرة بدأت تعتمل في داخله منذ الأيام الأولى لتشكيل اللجنة العسكرية في القاهرة.


كانت شهية حافظ الأسد للسلطة المطلقة دوماً منفتحة على آخرها، هو يريد كل شيء، ولكن بالتقسيط، وفي الوقت المناسب.


توظيفه لعامل الوقت كان خرافياً، وقدرته على ضبط رغباته وإخضاعها لحسابات الربح والخسارة التي تراعي كل الشروط والظروف المحيطة كانت من أهم سجاياه.


رجلٌ انتقل من التدخين بشراهة ( أكثر من ثلاث علب يومياً كما صرح لباتريك سيل ) إلى الإنقطاع الفوري والكامل عن التدخين هو بالتاكيد رجل قادر على ضبط غرائزه وتطويعها ، وإخضاع رغباته لفن الممكن، ومن ثم السعي لتحقيقها ... وفي الوقت المناسب .... فقط.


وإذا كان الأسد ورفاقه قد نجحوا من خلال كم كبير من المناورات والمزايدات وحتى المصادمات مع عبد الناصر أن يجعلوا من اللجنة العسكرية العصب الحقيقي للعبة النفوذ في سورية ومن وراء الستار بدايةً، فلايضيره أن يكتفي بمقعد خلفي في عربة هذه اللجنة ( بدورها الأخطبوطي السرطاني القاتل ) حتى يستتب لها الأمر مع خصومها وحلفائها ، وفي مقدمتهم عبد الناصر، بعد ذلك ، وبعد ذلك فقط، سوف يبدأ الأسد بشق طريقه هو في اللجنة العسكرية بعد أن دفع الرفاق الأقدمون أثمان تثبيت نفوذها.


الأسد بواقعيته الشديدة كان يعلم أنه ليس لديه الثقل الديني والعشائري لمحمد عمران، سليل العائلة التي لها وزنها ومكانتها في عشيرة الخياطين، كذلك هو يعلم أنه ليس لديه كاريزميته، كاريزميةً كهذه مكنت محمد عمران رغم إرثه ال "شبه طائفي" من نسج علاقة من نوع خاص جداً مع صلاح الدين البيطار، ابن العائلة الدمشقية المحافظة وخريج السوربون، وكذلك مع صنو البيطار وزميله في السوربون ميشيل عفلق، وفي مراحل لاحقة مع "الفتوة" أبو عبدو ، أمين الحافظ.


تلك الواقعية الحادة نفسها هي التي أقنعت حافظ الأسد أنه رغم مسحة الغموض والتقية السياسية نفسها التي يلتقي فيها مع صلاح جديد، فإن مساحات الإختلاف ( ومن ثم الخلاف ) كانت بالتأكيد أكبر.

الأسد بواقعيته الصادمة كان يدرك فرق الحجم والنفوذ بين عشيرته ( الكلبية ) وعشيرة ( الحدادين ) التي ينتمي لها جديد، أضف لذلك أن نفوذ عائلة الأسد ضمن (الكلبية ) ماكان ليقارن بنفوذ بيت جديد في ( الحدادين ) ، الأمر الذي سيضطر الأسد للتعامل معه لاحقاً في موضوع زواجه.


كذلك فإن الأسد الأب كان يعلم افتقاره للبعد العقائدي في شخص صلاح جديد، الذي يستند إلى إرث قومي سوري دفين في العائلة، ولكنه بقدرة قادر تحول مع صلاح إلى نزعة يسارية هي أقرب للماركسية على الطريقة الماوية، مذهبٌ لا يلاقي في الأصل هوىً في نفس الأسد البراغماتي الذي مع الأيام لن يجد ضيراً بأن يكون نظامه نظام ( العمال والفلاحين ) في نفس الوقت الذي ينسج فيه هو عرى علاقة راسخة رسوخ الجبال مع الحاج بدر الدين الشلاح ومن خلفه بازار ( شارع الحريقة ) الذي كان وسيبقى هو أس كل حكم تعيشه سورية، وكذلك بأحمد كفتارو وما يمثله في الجماعة النقشبندية السنية.


الأسد الذي استطاع بمقدرة عجيبة أن يكون رجل كل المراحل، وجعل من وجوده عامل إستقرار وإستمرارية لخصومه قبل حلفائه، عرف كيف يترك رفاق الأمس يراكمون أخطاءهم وينَفِّرون الناس منهم، ففي الوقت الذي كان محمد عمران ينادي بإعادة إحياء "الحلف الفاطمي" كان حافظ الأسد يقرب مصطفى طلاس السني، وبقدرة قادر أيضاً تختفي الأصول الإسماعيلية لناجي جميل ويتم تقريبه وتسويقه على أنه سني أيضاً، فهذا أكثر ملائمةً ل "موزاييك الأسد" ...


كذلك ففي الوقت الذي وصلت فيه "شطحات" اليسار الطفولي عند صلاح جديد لإرسال دبابات الجيش السوري لدعم الفدائيين الفلسطينيين في الأردن عقب أحداث أيلول ١٩٧٠، رفض الأسد الذي كان وزيراً للدفاع وقائداً للقوى الجوية أن يزج بسلاح الجو السوري في المعركة ضد القوات الأردنية ولا حتى تأمين غطاء جوي للدبابات التي زجها أحمد سويداني بتوجيه من جديد مباشرةً، موقف لن ينساه الملك حسين للأسد، لينسج الرجلان فيما بعد عرى علاقة فريدة من نوعها، مليئة بالمناكفة لحد الصدام في شقها العلني الذي يستر تحته شقاً خفياً في علاقة متينة وثابتة، قد تكون عصيةً على التصديق خاصةً عند جمهور الأسد من جهابذة البعث الذين استقوا عبقريتهم الخارقة من "سلسلة المنطلقات النظرية" وفكر منظرين لايشق لهم غبار من وزن الرفيق عبد الله الأحمر .....

للإستدلال على عمق الشق الغير علني في علاقة الحسين بالأسد ، يذكر رئيس الموساد الأسبق " أفرايم هاليفي " في كتابه "رجل في الظل" إنّه خلال أحد اللقاءات السريّة التي عقدها مع الملك حسين، قبل التوقيع على اتفاق وادي عربة، أبلغه الملك حسين بأنّه أحاط الرئيس السوريّ، حافظ الأسد علمًا بالاتصالات التي يجريها مع إسرائيل، وأكّد على أنّه لم يجد اعتراضًا من جانبه على هذه الإتصالات ". واعتبر هاليفي أنّ هذا الأمر كان كشفًا في غاية الأهميّة ، لأنّ الاعتقاد السائد حينها كان أنّ سوريّة تُعارض بشدّةٍ أيّ ميلٍ للتوصّل إلى اتفاقيات فرديّة مع إسرائيل، لأنّ ذلك سيعزل سوريّة ويُضعف موقفها التفاوضيّ معها، على حدّ تعبير رئيس الموساد الإسرائيليّ الأسبق.


كانت للأسد دوماً حساباته الخاصة، التي ترى وبوضوح شديد وواقعية صادمة ما لا يراه غيره.

كل شيء عنده يسير في نواميس ثابتة محورها كرسيه، وكرسيه فقط، وإذا كانت حرب تشرين قد أمنت له ورقة توت يستر بها عورته في حزيران ٦٧ فلربما ارتأى بعدها أن حالة" اللاحرب واللاسلم "

ربما تكون البيئة المثلى التي تؤمن الحياة لنظامه، داخلياً وعربياً ودولياً.


من عملوا عن قرب مع الأسد يعلمون أن لا هامش مسموح للخطأ معه ، وأولئك الذين كانت تعثر بهم حظوظهم أن يقعوا في خطأ ما، لن يحتاجوا أبداً أن يخشوا أن يقعوا في خطأٍ آخر أبداً ، لانهم بكل بساطة لن يكونون في اللعبة على الإطلاق بعدها ، إلا إذا ارتأى هو مصلحة له في ذلك.


بغض النظر عن كل المواقف والآراء الشخصية حول حافظ الأسد، فإن الأمر الذي لن يستطيع كل من أيدوا أو عارضوا الرجل إنكاره، أنه كان قابضاً على آلية الحكم باقتدار شديد ، كان هو المستفيد الأول والأخير منه ... في هذا الإطار كان الأسد معلَّماً ، وكما يقولون فإن خطأ المعلم بألف ...

ربما يكون الخطأ القاتل للأسد ولسورية لعقود أنه عقد لعبة الحكم فيها لدرجة صار من المستحيل على من يخلفه أن يديرها بنفس القدرة ... حتى لو كان من صلبه.

0 تعليق