بحث
  • فرانس بالعربي

عمل حاتم علي الأخير الذي سيبقى ( ويجب أن يبقى معنا )



بقلم نشمي عربي (كاتب سوري مقيم في واشنطن)

رحل حاتم علي،

الموت حق ،

وليس أمامه من كبير أو عظيم.

في مماته، كما في حياته، يرفض حاتم علي أن يكون رحيله بلا معنى.

هذا الرجل الذي عمل بهدوء، وأبدع بهدوء، وحملت أعماله رسائل مهمة بعيداً عن التصادمية التي صارت تميز كل مراسنا،

عارض بهدوء ( يأخذه عليه بعض المغرمين بأخذ حرارة المعارضين ) ، وهاهو يخرج عن هدوءه لمرة واحدة، ويأبى إلا أن يحمل رحيله رسالةً أو مجموعة رسائل مهمة.

الظاهرة الملفتة جداً للنظر والتي لايمكن القفز فوقها هو أن رحيل حاتم خلق حالة من التوحد والتقارب بين السوريين من عديدٍ من الإنتماءات والأهواء والأنواء، فلأول مرة نجد الشارع المعارض بكل تياراته ( وما أكثرها ) والشارع الموالي أيضاً بكافة تشعباته، يلتقون جميعاً في حالة حزن وأسف لاتخلو من صدمة.

لأول مرة نجد سوريي الداخل والخارج، من كافة المشارب والمذاهب يتفقون على أن يحزنوا معاً، ويتشاركوا أسفهم لفقدان حاتم ورحيله في قمة عطائه.

هذه الحالة التوحدية ( النادرة ) تحمل في طياتها مجموعة علامات تستحق فعلاً التوقف عندها، سأذكر أهمها، كما رأيتها:

أولاً فمن الممكن القول أنه رغم كل حالات التنافر والتنابز والتناحر والإقتتال والتخوين والتسفيه و و و .. فإنه لازال هناك محطات أو مفاصل وجدانية قادرة على لم شمل السوريين ، كل السوريين.

ثانياً فإن حالة التجاوز والسمو والتوحد هذه هي حالة ممكنة، وفِي متناولنا كبشر، وكسوريين، وهي ليست حالة طوباوية توليها السماء لمن تختصهم بها من الأنبياء والقديسين.

ثالثاً فإن ( الشارع السوري ) لايزال موجوداً ولو بإطلالاتٍ خجولة، لم تنل من وجوده ( كلياً ) كل عوامل الفرقة والشرذمة والمهاجر والدياسبورات على امتداد العالم، وهذا الشارع هو ( عموم السوريين ) أو ما يسمى بالإنجليزية بال:

‏main stream

وهو يتسع السوريين من كل الأطراف، وهو ، هو وحده ، من سيعطي الشرعية لأي أمر يطال مستقبلهم.

عندما أدرك هذا الشارع بكل أطيافه أن كل أطراف المأساة السورية عجزوا أن يجترحوا رمزاً يتوحدون حوله وعليه، حضر الشارع في رحيل حاتم،

وبقوة.

رابعاً وهو الأهم ، فهو الرسالة التي حملها تفاعل السوريين مع رحيل ابنهم حاتم علي لكل من النظام بكافة تجلياته والمعارضات بكافة تهويماتها، بأن السوريون عندما يتوحدون ، قادرون على الدفع بمشروعٍ أو توجهٍ ما ، كَبُرَ أم صَغُرْ، وأن خياراً سورياً جامعاً سيكون قادراً على الصعود والصمود، وهو ليس رهيناً بإرادة نظام، أو اجتهادات معارضات، ولا مشيئة دول كبرى ( رغم سطوتها ) وأن المشروع الأهلي الحضري الوطني السوري هو المهم، وأن المؤمنين به والعاملون عليه قادرون على إطلاقه وإنفاذه حتى في ظل تعنت النظام وتيه وضياع المعارضات، وأن مقولات إسقاط الطرفين، على الرغم من مداعبتها المؤثرة لمشاعر وأحاسيس حامليها من منتقدي النظام والمعارضات، ليست لازمة لابد منها لإطلاق مبادراتهم و مشاريعهم الأهلية لبناء سورية جديدة.

أعلم أن كلامي سيكون عند الكثيرين ( وأنا بصدق منهم ) منطوياً على الكثير من التبسيط والسذاجة السياسيَيْن ، وأن تعقيدات الشأن السوري قد تجاوزت كل السوريين، وباتت في أماكن أخرى تماماً، ولكن هذا حصل فقط عندما عجزنا كسوريين، كمجتمع مدني، معارض وموالي، أن نصل لمعادلة ما ، تضمن لنا جميعاً رغم كل الدماء التي سالت ، والأرواح التي أزهقت ، ورغم تعنت النظام، وفشل المعارضات ، أن نواصل العيش معاً ، ليس لأن هذا هو أفضل الخيارات، ولكن ربما لأنه الخيار الوحيد، الذي لن يكون سهلاً ولا ممكناً دون الكثير من التنازلات والتضحيات من الجميع، خاصة وأن كل الخيارات الأخرى قد استهلكت وهانحن جميعاً ندفع أثمانها كل يوم.

لكل من يريدون التشكيك فيما أقول ، وهم قطعاً محقون ، أقول لهم:

انظروا في الأقنية وفِي وسائل التواصل الإجتماعي

و اقرأوا الرسالة التي يحملها رحيل حاتم علي وتفاعلاته، هي واضحة ، لمن يريد أن يراها، ومن لا يريد ، فلن ينفع معه ( طب العيون )




0 تعليق