بحث
  • فرانس بالعربي

غسان كنفاني الشّمس الّتي لن تغيب.



بقلم: انتصار دنان (دكتورة في اللغة العربية, مختصة في الأدب الأندلسي)


كان يغزل من أشعة الشمس حياة، فما تغيب شمس إلّا لتشرق من جديد، وهكذا كان أطفال غسان، يغيبون خلف الشمس التي تقبض على حياتهم في تلك الأرض التي اِقتُلعوا منها، لكن صياحهم لا ينفك يملأ ذلك الممر الطويل بصخب.

هكذا الأطفال، هكذا كان غسان يكتب لهم، ويصور براءتهم الممزوجة بتحمل المسؤولية، مسؤولية الرجال قبل أوانهم، أو ليس هو من اقُلع من أرضه، وتهجر طفلًا، وعاش مرارة اللجوء؟ أو لم يكن طفلًا، يحلم بأن يبني بيتًا من قصب، ويركض في الوحل حافي القدمين، ويعربش على الأشجار؟

فالإشكالية التّي يطرحها غسان كنفاني في قصصه الموجهة للأطفال هي إشكالية الوطن بالدرجة الأولى، ثم إشكالية المعاناة التي عاشها الفلسطينيون في بلاد الللجوء، وتحديدًا الأطفال الذين فقدوا كل مكان من الممكن أن يجدوا فيه الفرح، وإشكالية ارتدائهم للرجولة قبل الأوان، ولكن مع كل ذلك فقد أتت مفردات قصصه سلسة ممتعة، يستطيع المرء أن يفهمها بسرعة، لأنها من صميم الواقع المعاش، والمفردات مستخدمة من الواقع الاجتماعي الذي يعيشه أولئك الأطفال، فقد عاشوا الفقر، لكنهم مع ذلك لم يعدموا الأمل.

لقد عالج في قصصه الطبقية بمفهومها المعاش، بعنجهيتها، وكبرها، لكن ابن ذلك الحذاء، أكد أن والده لم يكن يرى عنجهية ذلك الغني، لأنه كان منكبًا على عمله، لا يفكر بشيء غير توفير المال لتعليم ابنه.

كما زرع الثقة في نفوس أولئك الأطفال، فكان كل طفل يروي قصته على مسامع رفاقه في الصف، ليعتبروا، وكانوا يلتقطون بعدساتهم قبل آذانهم صدى تلك القصص.

كما تكلم على الشهداء، أليسوا هم الذين لا يموتون، أو ليسوا هم الأحياء عند ربهم يرزقون، وذلك من خلال قوله:" أبي لا يموت، لقد قلت ذلك فقط كي أنهي القصة، ولو لم أفعل ذلك لما اِنتهت قط، بعد شهور سوف يأتي الصّيف، وسوف تجفف الشمس أكوام القشور حتّى يخفّ ثقلها فيستطيع أبي أن يزيحها من فوقه ويكر عائدَا إلى الدّيار". لقد عمد في تصوير ذلك لترسيخ فكرة أهمية الكفاح ضد العدو المحتل، تثبيتًا لفكرته التي أرادها طيلة حياته، بأن الحق لا يُعاد إلا من خلال الكفاح، فالعدو الذي سلبهم أرضهم بقوة السلاح، لا يمكن أن يتم اِسترجاعها إلا بالقوة ذاتها، وأكثر، مؤكدًا أن الشهداء ينتظرون شروق الشّمس من جديد، هو الشّروق المرتبط مع الحياة، فمع كلّ شروق للشّمس ولادة جديدة.

كما أنه يطرح إشكالية العدو، العدو الذي لا يجب أن نتعامل معه بأية لحظة من لحظات الحياة إلا على أساس واحد، وهو أنه العدو، اللص، السارق، المعتدي، القاتل، الظالم. كل هذه الصفات لا يجب أن ننساها، فلذلك كان يقص على الأطفال ما كان يفعله العدو بالأطفال لحظة اللجوء، وبالعجائز، وبالنساء، فيقول:" كنت في التاسعة من عمري، يومذاك، ولقد شهدت أربع ساعات فقط كيف دخل المحتلون إلى الرملة، وكنت أرى وأنا واقف هناك في منتصف الشارع الرمادي كيف كانوا يفتشون على حلي العجائز والصبايا، وينتزعونها منهن بعنف وشراسة".

ففي هذا، كان يصور حقد العدو، وطمعه، وجشعه، فقد وصف الشارع بالرمادي، لاختلاط أحذية الجنود بالتراب، فتحول لهذا اللون الذي لا تعرف له أساسًا، كما أنه صور ذلك الطفل الذي لم يتعدَ التاسعة، الطفل الذي لم تأخذهم به شفقة، فقد كان واقفًا تحت أشعة شمس تموز، التي تدل هنا على الموت الحارق، وواقفًا على ساقٍ واحدة، وصالبًا ذراعاه فوق رأسه في منتصف الشارع الترب.

حاول أيضًا تصوير همجية العدو، لتبقى تلك الصور عالقة في أذهان الأطفال حين يكبرون، ليستردوا الحق الذي سُرق منهم، فالمحتلون هم لصوص، لم يسرقوا الأرض فقط والوطن، بل سلبوا كل الحلي التي كانت موجودة مع العجائز والصبايا، حتى مجندات العدو السمراوات قمن بالعمل ذاته، للدلاله على أن المحتلين متشابهون، لذلك لا يجب على الأطفال أن يغفروا عندما يكبرون، وهل يُغفر لمن سرق الوطن وترابه؟

الشمس في مقلب آخر، كانت عدوة لذلك الشعب اللاجئ، فلم تحمهم لحظة وقوفهم تحت أشعتها مرغمين بطلب من المحتلين، فتلك الساعات الطويلة التي مكثوها تحت أشعتها:" بدأت تذيب صمود النساء والشيوخ". في دلالة إلى أنها تآمرت هي الأخرى مع العدوضدهم، لكنه يظل يغازلها، ليس إلا لأنها تعني الولادة من جديد.

يرسم غسان في قصصه المخصصة للأطفال الأمكنة التي حصلت فيها حوادثها، وأزمنتها، ففاطمة الطفلة الصغيرة السمراء قتلها الإحتلال، وهي واقفة أمام أبيها، قرب دكان الحلاقة الخاصة به، كما قتلوا زوجته العجوز اليائسة، ويصف كيف رفسها الجندي الإسرائيلي بقدمه، وكيف سقطت على ظهرها ووجهها ينزف، وكيف وضع فوّهة بندقيته في صدرها، وأطلق رصاصة واحدة.

إن أحداث هذه القصة هي في الرملة، الرملة التي كان أبو عثمان يتمنى أن يدفن بمقبرتها الجميلة المزروعة بالأشجار الكبيرة، المقبرة التي لم يُدفن بها، لأنّ أشلاءه ضاعت في ذلك الانفجار الذي هدم الدار.

والجبال، الأردن، الدكان، المخيم، حيفا، عكا، الجليل، المنشية، السميرية، نهاريا، المزرعة. كل تلك الأمكنة ذكرها في قصصه، ليروي قصة اللاجئ الذي ظل ومازال يتنقل من مكان إلى آخر.

أمّا راوي هذه القصص، فهو المناضل غسان كنفاني، الذي غادر البلاد طفلًا، يروي للأطفال قصصه مرة بصيغة المتكلم، وأخرى بصيغة المخاطبة، وأخرى بصيغة المخاطب والمخاطبة، للدلالة على تنوع الشخصيات في القصص، لكنها بأغلبها تتحدث عن الوجع الذي يهدف غسان من خلال قصصه بترسيخ تلك الحكايات في أذهان الأطفال، وإبعاد فكرة التصالح مع ذلك العدو، أو التلميح إلى فكرة إبرام اتفاقية هدنة مع الفلسطينيين، لأن المحتل هو عدو إلى أن نسترجع الوطن، فقد صورهم بجشعهم، بظلمهم، بلصوصيتهم، بقتلهم، بخلو قلوبهم من الرحمة، هم ليست لديهم أية أهلية إلى أن يكونوا من البشر، وقد أتت هذه الصور سهلة تحاكي واقع وعقول الأطفال.

أما الزمان، فهو زمن النكبة، الزمن الذي مازال يتكرر مع كل إشراقة صباح، وصياح ديك، إنه زمن الحرب:" إنها الحرب، أيها العرب..".

أما الشخصيات المستهدفة في هذه القصص، هم الأطفال الذين تخلو سيقانهم من اللباس، الذين تألمت أقدامهم من كثرة الضربات بالعصي السود، التي كان يشعر بها الطفل حين تنزل على ساقيه كأنها تسلخ لحمه، ولا يمكن فعل شيء غير أن يطلق ساقيه للريح وقد اغتسل الطريق أمام عينيه، بغشاوة من الدوار والضباب والبكاء، على أن هذه المشاهد جميعها صورها غسان بعدسته حتى تعلق في أذهان الأطفال، بأسلوب حزين، ومؤلم، وشيق، حتى يخزن الأطفال داخلهم حقدًا ضد ذلك العدو لا يمكن الغفران له عما فعله بالشعب الفلسطيني.

0 تعليق