• فرانس بالعربي

مقهى الحجاز قطعة وطن تدفن في جنح الظلام


بقلم عبير الأيوبي


في آخر النهار يغمض السوري عينيه، مع غياب نور الشمس،ونورالكهرباء،يغمضهما مغرورقتان بالإحباط والتعب،لما يحمله كل نهار من معاناة متجددة، في تأمين لقمة العيش،بظروف أقل مايمكن وصفها،بكلمة "جحيم" لاقعر له.

يقارع السوري آلامه،ببطولة من حديد،ويعبر عنها،بطبيعة الحال-وبأعظم الحالات- بصرخة على مواقع التواصل الاجتماعي،أو بمحادثة مع أصدقائه المقربين،أو بجلسة أنيسة مع أصحابه، مع كأس شاي في مقهى شعبي حنون بهالته وبأسعاره.

احتضنت دمشق،مثلها،مثل باقي المدن السورية،ضمن مقاهيها الشعبية،أبناءها وهمومهم،لتروح عن نفوسهم ،أعباء الحياة..ومنذ أربعينيات القرن الماضي، انتشرت فيها المقاهي الشعبية في وسطها التجاري،والتي بلغ عددها مايقارب ال 100 مقهى، ومن بينها "مقهى الحجاز"،هذه المقاهي استقطبت كل من يزور دمشق من المحافظات الأخرى، ومن العرب ومن السياح الأجانب، وشكلت معالما راسخة للمدينة معبرة عن هويتها عبر الزمن.

كل من يرتاد المقاهي،يعلم جيدا أن المقهى قطعة وطن، تعج به حياة الناس، يطل على خطواتهم وحركاتهم وسكناتهم وأصواتهم، وهدير مركباتهم وعلى شوارعهم النابضة بتاريخ أيامهم..يلتقي به الأحباء والأصدقاء ربما على عجل لأخذ قسط سريع من الراحة وسط النهار..يضرب الموعد في المقهى،بعد إنهاء معاملة منهكة في الدوائر والمؤسسات،أو كطقس يومي،يرتاده المثقفون والأدباء والطلاب والفقراء والأغنياء على حد سواء،حول كؤوس من الشاي أو الكمون بالليمون أو فناجين القهوة،مع قهقهاتهم المتراشقة، وماأحوجهم إليها،ولوقع أحجار النرد تصميم على الحياة بعزم جبار وبالاعتماد على ضحكة حظ منتظر..بينما لقرقعة النراجيل صوت عميق،يشبه نجوى الأحاديث وأسرارها على كل طاولة وفوق كل كرسي خيزران مشبوك منذ عتيق الأيام.

استفاق سكان دمشق،يوم أمس، على خبر ترحيل ركام مقهى الحجاز تحت جنح الظلام، المقهى الذي يجاور محطة الحجاز التاريخية ممسكا يدها ،وفيا، طول هذه السنين،كوفاء مرتاديه الذين كانوا يزورونه كل يوم،ويطلون معه وعبره على "المرجة" و"سوق الحميدية" و"قلعة دمشق"..هذا الخبر ،شكل صدمة للسوريين والذين اعتبروا هدمه تجريدا لدمشق من معالمها التاريخية وهويتها العمرانية.

في حين بررت المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي،التابعة لوزارة النقل السورية،بررت الهدم، بأنها أبرمت عقدا استثماريا،لتنفيذ وتشييد مجمع سياحي وتجاري، يضم فندق خمس نجوم، ومكاتب تجارية،وخدمات ومطاعم منوعة، وصالة رجال أعمال، ومركز صحي وترفيهي،ومرآب سيارات..

نافية ببيان لها الصفة التراثية والتاريخية لمقهى الحجاز، وأن المقهى الموجود هو إشغال محدود لمقهى له طابع "الشعبي" باسم من وحي المكان "الحجاز" حسب تعبيرها!!!

ورغم ترنح عجلة الاقتصاد، وانهيار الليرة السورية في سوق الصرف ،و جمود حركة السياحة عموما-عدا مايعرف بالسياحة الدينية- بظل ما تعيشه سوريا من عدم الاستقرار السياسي والأمني،إلا أننا نسمع بين الحين والآخر،عن تسليم وبيع وتأجير للعقارات والمحاضر،والتي تقع في مناطق حيوية ورئيسية في قلب العاصمة،لأشخاص أكثر مايعرف عنهم أسمائهم الوليدة في سوق المال والاستثمار،مع تدوال لناشطين، معلومات، أن شركات منها روسية وإيرانية،هي الجهات المنفذة لمثل هذه المشاريع، وسبق أن ترددت أنباء في العام الماضي عن تأجير "محطة الحجاز" التاريخية الملاصقة للمقهى،لإحدى الشركات لمدة 45 سنة.

ذات يوم ..زار مقهى الححاز مجموعة سياحية من مدينة "تولوز" الفرنسية وكتبت إحداهن والتي كانت دليلا سياحيا مع هذه المجموعة..كتبت فيه عبارة " إذا أردت أن تشاهد الناس الشعبيين في سوريا فعليك زيارة مقهى الحجاز".

بين كل ذلك وذاك،أصبح السوري يفتش عن وطنه المقضوم، الذي يراه ربما فقط في رغيفه الذي حتى أصبح متعففا، ويراه في كأس شاي، ضمن هذا المقهى الذي أصبح من الذكريات وهاجر مثله مثل من هاجر من أبنائه..

يغمض السوري عينيه على وسادته الباردة،مستحضرا الأمل الذي تحدثت عنه فيروز في أغنيتها "في قهوة ع المفرق" بوجود المقهى على الأقل مع رحيل الأحبة..يغمض عينيه ويقول الوطن إذن هو التاريخ والتراث،ولأنه "شعبي" وغير مصنف في قوائم الوطنية استبحتم قضمه أيضا.. أوليس الشعب وطنا!!!

أوليس المقهى.. ندوة وأكاديمية للاجتماع وللسياسة وللاقتصاد وللعلم وللحب والثقافة!!!

إنهم كل يوم يقومون بدفني.. إنهم كل يوم يدفنون قطعة وطن.