• فرانس بالعربي

المعارضة السورية بين مزاياها وسلبياتها




بقلم الدكتور منذر اسبر

لقد واجهت المعارضة السورية القمع وطالبت بالحريات الديمقراطية واحترام حقوق الانسان وإنهاء سيطرة الأجهزة الأمنية والمحاكم الاستثنائية والاستجابة لمطاليب الشعب المعيشية والحياة الكريمة وتطبيق القانون الواحد على الجميع ومنع الاعتقالات التعسفية ومسلسل الفساد والمحسوبية، ودفعت ثمنا باهظا لذلك قبل الانتفاضة الشعبية الثورية عام 2011 .


واذا كان التجمع الوطني الديمقراطي الذي أقيم عام 1979 لعديد من الأحزاب الوطنية الديمقراطية التي تقول بالنضال العلني المطلبي السلمي على عكس دعاة الكفاح المسلح من الإخوان المسلمين ورفض جرّ البلاد الى الإرهاب والإرهاب المضاد، فلقد حاول بعض أطراف هذا التجمع تحويله من تحالف الى حركة سياسية واحدة ، خاصة وأن المرحوم الدكتور جمال الأتاسي كان يطرح وهو في الجبهة الوطنية التقدمية " الحركة العربية الواحدة " استئنافا لحركة التحرر والوحدة.


ولئن كان رياض الترك قد أفشل ماأراده ميشيل كيلو والأتاسي وغيرهم ، إلا ان هذه المعارضة عوضا عن ان تقوم بدراسة دقيقة لإشكالية التجمع الوطني الديمقراطي لتحويله الى تكتل جبهوي عريض فلقد قفز رياض الترك فعلا الى تجاوز التجمع الأمر الذي صرح لنا به عام 2000في باريس بما أكده الأستاذ سيد رصاص في تصميم الترك على " إقامة جبهة عريضة تضم الديمقراطيين والإسلاميين " للتخلص من الديكتاورية وبالإقدام على ما أقدمت عليه القوى الديمقراطية واليسارية الإيرانية في التحالف مع التيار الديني الاسلامي بقيادة الخميني وتصفيته لهذا التيار كليا .


نعم لقد دعا كيلو إلى الإصلاح مع قيام ربيع دمشق بافتراض وجود تيار اصلاحي في السلطة وتيار آخر محافظ وقام بالتالي بدعم التيار الاول الأمر الذي كان يلتقي فيه مع الاخوان المسلمين انذاك محاولا بذلك وهو الذي أمضى سنوات في السجون ان يكون معارضا خارج النظام وداخله بان واحد : خارجه بالمطالبة بالديمقراطية وداخله بدعم التيارالإصلاحي فيه .


وبالتفريق بين النظرية والايديولوجيا من وجهة نظري فلقد رفع كيلو شعار" موت الايديولوجيا" والذي يستجيب لتيار من المثقفين الغربيين بوجه خاص لقبر النظرية والايديولوجيا معا ، ومن هنا اطروحته في ان الحزب هو " برنامجه السياسي " وأن هويته تاتي " من البرنامج السياسي "، ولاعلاقة له بالنظرية السياسية ومنهجها المعرفي .


لقد طرح الأستاذ سيد رصاص مسار ميشيل كيلو على شاكلة " حركات قفزات هنا وهناك " تميز بهاعدد من أحزاب المعارضة وقياداتها .والواقع ان فلسفة كيلو تقوم من وجهة نظري على الحركة بحدذاتها مقتربا بذلك من المفكر الالماني بيرنشتاين، وهذا ماجعلنا في خلاف عام 2000 عندما طرح توحيد العارضة السورية بما تستدعيه الحركة وبالقفز عن التناقضات القائمة وبجمع ما لايمكن جمعه، ديمقراطيين واسلاميين وعلمانيين ومجموعات تخدم الديكتاتورية في بلدان اخرى لتنادي بالديمقراطية في سورية .


لم تكن علاقة ميشيل كيلو برياض الترك جيدة:


" رياض الترك كان يأتيني كل يوم تقريبا ليقول لي بعد إقامة لجان إحياء المجتمع المدني : ما الذي تريدونه أنتم المثقون ، هل تريدون اقامة حزب ؟؟ " ..

" يارياض نحن حركة مجتمع مدني مستقلة ولا نريد إقامة حزب " ويضيف لي قائلا عام 2000: "انهم لايريدون القيام يأية حركة دون ان تكون مرتبطة بهم".

إن التحول الجذري الذي نجده على مستوى اخر لدى رياض الترك وبرهان غليون وصدر الدين البيانوني وفايز ساره ... بحيث اننا امام طبقة سياسية وثقافية منقلبة على خطوطها ، انما نجده لدى ميشيل كيلو للأسباب التالية :


1ـ فشل الإصلاح الذي أراده بعد مجيء بشار الاسد الى السلطة معتقدا ان سجون النضال الطويلة ستفضي الى هذا الاصلاح.

1ـ اعتباره الأحزاب السياسية تقليدية ومن هنا ضرورة تجاوزها من قبل المثقفين واقامة مؤتمر القاهرة عام 2012 في القاهرة .

2ـ تدويل المسألة السورية بنقلها الى الأمم المتحدة وتعريبها بنقلها إلى جامعة الدول العربية متوافقا بذلك مع برهان غليون وبسمة القضماني .

3ـ التعاون مع الإخوان المسلمين لنجاح " الثورة" و الدعم الغربي لها اسقاطا للنظام ، ومن هنا دخوله الى الإئتلاف ،مظلة العسكرة والتواطؤ مع" النصرة".

4ـ تصدير الديمقراطية تصديرا وفرضها كما يشير الاستاذ سيد رصاص :" نعم لمعايير ديمقراطية تضعها الامم المتحدة وتفرضها في كل البلدان بلا استثناء"

ان المعارضة بمزاياها وعيوبها ظلت معارضة نخبوية غيبرقادرة على توحيد وتجاوز مصالحها الخاصة ومعزولة عن الشعب وبحث قياداتها التقليدية لدى القوى الخارجية الدولية عن حلول لها وللبلاد .

تبقى ذكرى ميشيل كيلوالذي اعتقد انه بنضالاته وبما يكتبه ويراه يضىء درب الخلاص دعوة حية مستمرة ، إلى مراجعة كلية من النقد والنقد الذاتي التاريخاني والمعرفي للنخب السياسية والثقافية السورية بما لها وماعليها لبناء مستقبل جديد .