• فرانس بالعربي

هل الضرورات فعلاً تبيح المحظورات



بقلم نشمي عربي (كاتب سوري يعيش في واشنطن)



كنت ولازلت وسأبقى دوماً ضد حكم العسكريين، وأؤمن دوماً بأن قداسة المهمة الملقاة على عاتقهم في حماية التراب الوطني تقتضي منهم البقاء خارج زواريب السياسة ... وفي هذا إعلاء من شأنهم ... وشأن المهمة المقدسة التي أقسموا عليها.

ولازلت أعتقد بأن ماقام به المرحوم أكرم الحوراني من تشجيع ممنهج لإقحام الجيش السوري في السياسة، كان أمراً كارثياً بامتياز .. بغض النظر عن التوجهات والأهداف السياسية من وراء هذا الإقحام الذي وصل لحد إدمان الجيش السوري لعبة السياسة في خروج صريح ومباشر عن المهمة الموكولة إليه من الشعب الذي دفع من قوته نفقات إنشاءه وإمداده وتسليحه.

باستطاعتي أن أمضي إلى مالانهاية في سرد أسباب رفضي ومثلي ملايين السوريين لفكرة حكم الجيش، يشفع لنا في ذلك عقود من التراجع السياسي والإقتصادي والإجتماعي عاشها السوريون في ظل اشتداد عَسَفِ حكم العسكر خلال العقود الستة الماضية ... لا زالوا يتجرعون كأسه حتى اليوم.

فما الجديد إذن الذي دفع ويدفع العديد من التيارات الشعبية والسياسية والأهلية السورية مؤخراً للمناداة بما أطلقوا عليه تسمية ( المجلس العسكري الإنتقالي ) كآخر الحلول الواقعية الممكنة و ( المؤلمة ) للخروج بسورية من حالة الموت البطيء التي تخطو باتجاهها كل يوم، عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً ؟

لعلها حالة الإنسداد الشديد التي وصلت لها كل المسارات التفاوضية الأممية بمافيها تلك التي ترعاها جهود، وتمثل توافقات دولية وإقليمية؟

ولعلها أيضاً قناعة صارت واضحة وثابتة لدى الجميع أن القوى الدولية التي لم تصل في توافقاتها إلى إطلاق ورعاية ودعم حل سوري ملزم لكافة الأطراف وأولها النظام صارت مقتنعه بأن على السوريين أنفسهم إطلاق مبادرة الحل والتوافق عليها ولو من ناحية المبدأ ومن ثم يأتي دور المجتمع الدولي والقوى الإقليمية والدولية في دعم هدا الحل ، طبعاً كلٌ ضمن رؤيته لمصالحه هو؟

في الحديث عن الوضع السوري لابد من التوقف وملياً عند نقاط مهمة لايمكن تجاوزها:

منها مثلاً أن فرادة الوضع السوري اليوم لم تأت من فراغ، بل من خلال فرادة وتميّز تركيبة النظام، والتي يتداخل فيها الشأن السياسي بالعسكري بالأمني ... وصولاً للطائفي.

دون إدراك حقيقي وصادق لكل هذه التداخلات فنحن أبعد مانكون عن حلول، أو حتى تصورات حلول، سواءً من خلال "مجلس عسكري إنتقالي" أو غيره.

حتى في علوم الطب، لا علاج صحيح دون تشخيصٍ صحيح.

وأي حديث عن مخارج أو حلول لما وصلت له سورية اليوم لا يلحظ ( على الأقل ) كل هذه التعقيدات وتداخلاتها سيكون مضيعة للوقت، وربما سبباً آخر لإستمرار القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في تأجيل أي معالجة حقيقية للشأن السوري.

بعيداً عن كل عبارات التنميق والتزيين والتلطيف، وبعيداً عن كل ( السرديات ) المختلفة التي تحاول توصيف الوضع الذي وصلت له سورية اليوم وإعطاءه أبعاد إقليمية ودولية بل وحتى كونية، وبعيداً عن كل نظريات المؤامرات التي تبدأ من عواصم عربية واقليمية ولا تنتهي حتى في المريخ، فالوضع الذي وصلت له سورية ( أو ماتبقى منها ) اليوم ، هو في غاية الوضوح و الكآبة في آن.

بلد فقد كل مقومات الدولة، تربض على أرضه وتحتكر سماءه جيوش خمسة دول على الأقل، بينهما دولتان تعتبران قوى عظمى، ودولتان إقليميتان وازنتان، بمشروعين إقليميين يختلفان في كثير، ولكنهما يلتقيان في حدود دنيا على الإستئثار بمناطق نفوذ مهمة، كلٌ بقدر ، وبطرق مختلفة، إضافة إلى جيوش لا تنتهي من الفصائل ذات الألوان العرقية والمذهبية والإيديولوجية، بعضها مصنف في لوائح الإرهاب العالمي.

حتى شركات القتل العابرة للقارات ومافيات العسكرة والإقتصاد لم تعدم مكاناً لها في المشهد السوري المعقد.

في ظل كل هذا التعقيد هناك السوريون، وقد أصبحوا جزءاً مكملاً للمشهد فقط، نظاماً وشعباً ومعارضات.

النظام الذي لايزال قابضاً على مقدرات قوة مهمة، عسكرياً وأمنياً، ولكنه لم يستطع أن يصل من خلال ( انتصاراتها ) لفرض واقع سياسي واحد، ناهيك عن حالة (اللا قدرة) المرعبة على وقف إنهيار إقتصادي مخيف لم يعد ممكنا أبداً التستر عليه أو التقليل من آثاره الكارثية ، يطال الجميع ويهز بعنف قدرتهم على الوفاء بأقل متطلبات الحياة، لا نستثني من ذلك أبداً ما يصطلح على تسميته ب ( البيئة الحاضنة للنظام ) أو الموالية إجمالاً، فبعد استثناء طبقة أمراء الحرب والسلاح والنفط والمخدرات ، ( وهي عابرة للطوائف والأعراق )، فالكل في سورية اليوم يئن تحت وطأة ضائقة إقتصادية رهيبة لا تبقي ولاتذر، والسؤال الذي صار لا يغادر الجميع اليوم هو ( وماذا بعد ؟ ).

الشعب السوري الذي وصل بكل مكوناته وأطيافه لحالة من التشرذم والضياع، المحظوظون فيه متفرقون بين دياسبورات تبدأ بكوالالمبور ولا تنتهي بلوس أنجلوس، والأقل حظاً يتوزعون بأعداد مخيفة تعيش في مخيمات بؤس وذل وقهر، ظروفها وصمة عار في جبين البشرية كلها والعالم المتحضر ومنظماته الأممية، ينامون ويصحون على حلمٍ واحد، أن يفوزوا بفرصة لجوء في بقعةٍ آمنةٍ على وجه البسيطة، و شعبٌ في الداخل فقد نسيجه الإجتماعي وكل المقومات التي تجمع بينه، عندما انقسم بين مؤيدٍ لآلة القتل الجماعي ومعارضٍ لها، وبينهما فريق ( كنا عايشين ) الذي لم يعد اليوم قادراً ربما على تذكر تاريخ آخر يوم كانوا فيه ( عايشين فعلاً ) بعد ان فقدوا ذاكرتهم وكرامتهم في طوابير الذل والفاقة التي لا تكاد تفي بأقل متطلبات حياتهم اليومية ، لا يجمع بين هذه الأطياف كلها إلا هماً معيشياً واقتصادياً ينوء بحمله اليوم كل السوريون دون استثناء.

أما المعارضات والمنصات والأحزاب والهيئات وووو ... الذين يصدق في بعضهم قول الوحي:

( فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَيَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ) والذين عجزوا عن التوافق على مشروع حلٍ واحد يقنعون به المجتمع الدولي والدول المنخرطة في الشأن السوري، فإن الإنصاف يقتضي أن نعترف أن الفشل الذي أحاط بأغلب مشاريعهم ( إن وجدت ) لايعود فقط لقصورٍ في أداءهم أو عجزٍ في مقدراتهم، وإنما لمدى التعقيد الذي أحاط بالشأن السوري منذ البداية، وتناقض مصالح الأطراف الفاعلة فيه، خصوصاً مع خروج مفاتيح الحل من أيدي السوريين جميعاً لصالح قوى دولية وإقليمية استطاعت أن تجد لها بين ( المعارضين ) السوريين، خصوصاً هؤلاء الذين كانت لديهم قابلية التحول إلى رجال ميليشيات ، من يتبنون أجنداتها لا بل ويرفعون علمها، وليتحولوا بقدرة قادر و ( بالفهلوية السورية المعروفة ) إلى وكلاء حصريين لمصالح ومشاريع تلك الدول، يعتاشون منها وعليها، في استمراء مهين ومخزي لآلام باقي السوريين.

في ظل هذا الكم المخيف من التراجع والفشل والإنهيار، مالذي يجعل فكرة ( المجلس العسكري الإنتقالي ) تستحق هذا الإهتمام والتفاؤل، والمناداة بها من قبل قطاع عريض من السوريين ينمو بشكل مطرد؟

لعله الضمير الجمعي للسوريين الذي تعَوَّدَ على السلطة المطلقة وقدرتها ( في أذهانهم ) على توحيد البلد واجتراح الحلول؟ يضاف لهذا إيمان عميق من طرف الجميع بحالة الفشل المزري التي وصلت لها البلاد على يد طبقاته السياسية كلها، نظاماً ومعارضات ؟

وإن كان الأمر كذلك، فما العصا السحرية التي يملكها أو سيملكها هذا المجلس العسكري العتيد ولا تملكها قوات النظام مثلاً ؟

الجواب على هذا السؤال قطعاً لن يكون بالبساطة التي قد يتخيلها الكثيرون، وربما تقتضي الصراحة والموضوعية أن يكون هذا الجواب صادماً ومزعجاً على عكس ما يتمناه الكثيرون أيضاً، وأنا منهم.

جيش النظام أو ماتبقى منه اليوم وبكل بساطة ، وبرغبة منه أو بدونها، تم الزج به وبطريقة مفجعة ومؤلمة في مواجهة حراك شعبي كان من الممكن التعامل معه بطرق شتى.

حتى الطرق القمعية والإستئصالية، ماكانت ستكون لها الآثار الكارثية نفسها لو أنه تم الإكتفاء في تطبيقها بأجهزة الأمن، التي لا تعاني سورية قطعاً أي نقص في عديدها وعتادها.

بكل وضوح ، وبكل صراحة، وبكل مباشرة ، فالزج بالجيش بتركيبته الحالية في مواجهة شعبه بالطريقة التي تمت، قد أفقدته وإلى الأبد قدرته على أن يكون حَكَمَاً في الشأن السوري، بعد أن أصبح خصماً عنيداً لسواد السوريين، من كافة الأطياف والألوان والمذاهب، لا استثناء في هذا، وربما لا مناص بعد اليوم من الإعتراف بالحقيقة المرة التي ترتكس في ضمائر الغالبية العظمى من السوريين وهي أن هذا الجيش فقد شرعيته الشعبية مع إطلاق أول رصاصة على متظاهر مدني أعزل، لا أستثني من هذه القناعة ضباطاً وأفراداً لازالوا في قطعاتهم، يعلمون هذه الحقيقة ويدركونها إدراكاً جيداً، لذلك فهذا لايعني بأي حال عدم وجود ضباط وطنيين حاولوا بكل ما يملكون أن لا تتلوث أيديهم ( ومرؤوسيهم ) بدماء أبناء شعبهم، وهم في الوقت الذي دافعوا فيه وبشراسة عن بقاء ووجود النظام لم يدخروا سبيلاً في المحافظة على مسافة من أعمال القتل والنهب والتعفيش، وهؤلاء أيضاً من كافة الأطياف والألوان والمذاهب.

لعل العماد علي حبيب وزير الدفاع في فترة أوائل الأزمة كانت له نظرته الثاقبة والمحقة عندما تحفظ بحزم ووضوح على إقحام الجيش بقمع الحراك الشعبي بالطريقة التي حصل بها، بغض النظر إن كان هذا التحفظ مرده لأسباب وطنية أو حرفية عسكرية بحتة.

أما أولئك المحظوظون الذين كانوا في قمة هرم المؤسسة العسكرية والأمنية ولكن خروجهم من الخدمة أعفاهم من أن يتخذوا موقفاً واضحاً ومحدداً منها، فهل يملكون اليوم، فرادى أو مجتمعين، الحيثية الوطنية والمصداقية الشعبية التي تؤهلهم لأن يضطلعوا بمشروع انتقالٍ سياسي يتناقض مع تموضعاتهم السلطوية المزمنة؟ والأهم من هذا كله، مع مصالحهم التي عملوا عليها لسنين طوال في انفصال تام عن مصالح سواد الشعب السوري؟

أعلم بل أنا على يقين أن غالب هؤلاء ليسوا معجبين بالطريقة التي أدار فيها النظام ( الأزمة ) لا بل أنهم لايتورعون عن إطلاق أقذع الإنتقادات لرأس النظام في مجالسهم الخاصة ( وهو يعلم ذلك ) لا بل إن عدداً محدوداً منهم ربما كان ( في صورة ) مبادرات سياسية عديدة في بداية الأزمة، لا أقول أنهم كانوا جزءا منها، ولكنهم كانوا قطعاً قريبين منها، ومطلعين عليها، ولكن هل يشكل هذا كله الأرضية الكافية لهم والتي تمنحهم القدرة على إطلاق مجلس عسكري إنتقالي يناط به عملية تغيير سياسي حقيقي كانوا دوماً من معارضيه ؟ والأهم من كل ذلك فهل لازالت لهم قواعدهم في الجيش والأمن التي من الممكن أن تشكل روافع لإطلاق مجلس كهذا؟

أما في حالة الضباط الذين انشقوا عن النظام ورفضوا أن يكونوا جزءاً من حملته القمعية في وجه شعبهم، و أن تتلوث أيديهم بدماء السوريين، فالعديد منهم قد تفرقت بهم السبل، وهناك من حصل على لجوء وربما جنسيات دول آخر ولا ينوي مجرد التفكير في الإنضمام لأي جهد سوري فاعل، وبالمقابل فهناك أعداد لم تجد ضيراً في أن تنضم لجهود عسكرية لبعض الدول المتدخلة في الشأن السوري، إما تحت علم سوري بنجومٍ ثلاث ليس أكثر من واجهة لأعلام غير سورية، أو تحت أعلام هذه الدول مباشرةً ( وعلى عينك يا تاجر )، بعض هؤلاء أضحوا فعلاً أمراء حرب بكل ما تملكه الكلمات من معاني، ربما يخدم مصالحهم الشخصية والمالية أن يبقى الوضع على ماعليه إلى مالا نهاية.

لعل المعضلة الكبرى في المشهد العسكري السوري المعارض اليوم هو نشوء حركات وتنظيمات وفيالق عسكرية محسوبة مباشرةً على دول إقليمية متدخلة في الشأن السوري، بعضها من خلال انخراطها العسكري المباشر فيه، وأخرى من خلال سياسة ( حقائب السامسونابت ) والمبالغ الخيالية التي يتم ضخها لشراء الولاءات والبيعات والذمم، فصار أمراً مألوفاً أن ترى ضباط برتب عسكرية في هذه ( الجيوش المصنعه على القياس ) يصلون لرتب ضباط قادة وربما أمراء دون أن يكونوا قد دخلوا سلك العسكرية المحترفة يوماً ولا يعرفون طريق أي معهد أو كلية عسكرية.

ربما لم يجد القائمين على هذه ( الجيوش المسبقة الصنع ) الأمر مأساوياً كفايةً فزادوا في الطنبور نغماً أن أطلقوا على بعضها تسميات دينية وطائفية بإصرارٍ شديد على إقصاءها عن أي مظهر وطني وإلغاء أي هوية سورية عنها.

يصل المشهد إلى سورياليته القصوى عندما نعلم أن بعض هذه التنظيمات العسكرية بايع منظمات دولية مصنفة في لوائح الإرهاب الأممية والدولية، وكأن المشهد السوري لا يكفيه كل التعقيدات المحيطة به.

بين كل هذه التباينات في المشهد العسكري السوري المعارض هناك الشريحة الأوسع والأعرض من ضباط الجيش العربي السوري المحترفين خريجي المعاهد والكليات العسكرية من كافة المستويات، الذين أبى فيهم شرفهم العسكري وضميرهم الوطني أن يَلِغُوا بدماء أبناء شعبهم فخاطروا بأنفسهم وعائلاتهم وأمنهم وأمانهم وانسحبوا من المشهد، يتوزعون بين مخيمات لجوء، أو يعيشون ظروف حياة أقل ما يقال فيها أنها صعبة وبائسة أحياناً، المحظوظون منهم الذين هم خارج المخيمات تعرضوا لعمليات تهميش حقيقي وممنهج عن أي جهد أو نشاط كان من الممكن الإستفادة من خبراتهم فيه وكأنَّ قدرهم أن يدفعوا وعائلاتهم ضريبة موقفهم مرتين، عند النظام وعند معارضيه، لا أبالغ عندما أقول ان بعض ماتعرض له بعضهم على يد ( أعداء النظام ) المفترضين فاق بمراحل ما قد يتعرضون له على يد النظام في حال تمكنه منهم.

الإصرار الشديد على تهميش هؤلاء من قبل ( وكلاء مصالح الدول ) يذكرني تماماً بالمصادمات الحادة التي كانت تقع بين ضباط جيش النظام ومسؤولي الحرس الثوري الإيراني وكل مشتقاته الطائفيه في مناطق سيطرة النظام والتي تدخل ضمن جهدٍ مبرمج وممنهج من قبل إيران لإضعاف بنية الجيش العربي السوري لصالح ميليشيات وقوات رديفة يسهل على إيران التحكم بها، مقابل موقف روسي تقليدي يميل لدعم مقدرات الجيش السوري كضامن لبقاء الدولة وهيكليتها بغض النظر عن شكل النظام.

من هنا تماماً فمن الواضح جداً أن مجلساً عسكرياً إنتقالياً عماده هذه الشريحة الأخيرة من الضباط سيكون تكريساً للرؤية الروسية في المشهد السوري، لا انقلاباً عليها، وهو الذي سيؤمن للروس استمرارية الدولة بهياكلها ومؤسساتها، ويضمن عملية انتقال سياسي يستطيع الروس تأخيرها، ولكنهم لن يستطيعون إلغاءها تماماً.

مجلس كهذا هو الذي سيضمن للروس تحييداً كاملاً لحليفهم الإيراني ( اللدود ) في سورية دون حاجة لعملية ( كسر عظم ) معه.

يستطيع الوزير لافروف والسفير لافرينتيف المضي في عنادهم المغلف ببرد سيبيريا إلى مالانهاية في إنكار حقيقة تداولهم لأمر مجلس عسكري إنتقالي و متابعة التصريح عنه بسلبية مطلقة،

في النهاية هم والرئيس بوتين يعلمون أنه لن تكون هناك عملية إعادة إعمار ممولة دولياً دون ضوء أخضر دولي عموماً وأمريكي خصوصاً، لن يأتي قبل البدء في عملية انتقال سياسي حقيقي في سورية، من المفروض أن الروسي وصل لقناعة تامة بأن النظام يرفضها بالمطلق وسيحاربها لآخر لحظة، وأن عجز الواجهات السياسية المعارضة كلها رغم كل الرعاية والتسهيلات الأممية عن الدفع بعميلة الإنتقال السياسي هذه عبر مسار تفاوضي مؤلم ومضحك مع النظام ، يصب في خانة الفشل هذه نفسها، لا أحمل وفود ولجان المعارضة وحدها مسؤولية هذا الفشل.

لاأدَّلَّ على مدى قدرة الروسي على إقناع النظام بإطلاق عملية تغيير سياسي حقيقي في سورية ولا أعمقَ مغزىً أكثر من النتائج المضحكة لإجتماع سوتشي الأخير التي لم تخرج في أحسن الأحوال عن مراوحة في المكان.

بانتظار تمويل دولي لم ولن يأتِ لعملية إعادة إعمار يتحرق الروسي لها، لن يكون أمامه سوى أن يتابع تعاويذه الراسبوتينية متأملاً في إيجاد مخرج لمحاصصة متعثرة بين الأسد وابن خاله يعول الروسي على عمولةٍ كبيرةٍ فيها، في دليل لا يقبل الشك على انخفاض سقف توقعاته لأي عائد اقتصادي لانتصاراته الماحقة في سورية.

نعم ... بوتين انتصر في سورية ... وهو قابض عليها بكلتا يديه، لن يمر وقت طويل ليدرك فيه أنه قبض على سورية خالية، مفلسة، تئن تحت حصار خانق، هو في الحقيقة مفصل على قياس الروسي، والنظام والشعب في سورية ليسا فيه سوى تفاصيل بسيطة، بل بسيطة جداً.

لعل ضباط بوتين المخضرمين كانوا أكثر قدرةً وبراغماتيةً على التعامل مع المحدودية الشديدة لمقدرة الروس الحقيقة في سورية في أنهم لم يعودوا يعولون عليها كثيراً، فلم يجدوا أمامهم من مغنم سوى أن يدخلوا وبكثافة في ماكينة فساد ضباط النظام، مما خلق تصادم مصالح ضيقة بين الطرفين استدعى تدخلاً لإطلاق تحقيقات على أعلى المستويات بين الكرملين وقصر المهاجرين.

في ضوء كل هذا، هل لايزال كرادلة البوتينية الجديدة يرون في المجلس العسكري الإنتقالي خيارا سيئاً ؟

أترك الإجابة لهم.

فكرة المجلس العسكري الإنتقالي ليست جديدة وتعود للطفو على السطح كلما وصل الإنسداد السياسي في المشهد السوري إلى حده الأعلى، لذلك فإنني أتردد بربطها بمقطع يوتيوبي أو دعوة فيسبوكية لمعارضٍ دون غيره، أكثر مايدل على ذلك أن السرعة اللافتة التي انتشر بها هذا الإقتراح ومقدار الزخم الذي حظي به لدى شرائح واسعة وعريضة من السوريين توحي فعلاً بأن الظروف الموجبة لهذه الخطوة أو غيرها موجودة ومختمرة فعلاً، والمتابع للنشاط المحموم الذي استدعته الفكرة بين السوريين في مجاميعهم المتعددة على وسائل التواصل الإجتماعي سيدرك ذلك بسهولة.

اللافت في الموضوع أمران:

أولهما أن الفئة التي كانت أشد حماساً وتفاعلاً وتجاوباً مع فكرة إطلاق المجلس العسكري الإنتقالي كانت في الغالب المطلق هي فئة الضباط النظاميين الذين انشقوا عن الجيش النظامي السوري يجمع مابينهم مظاهر عامة مهمة ومشتركة، منها مثلاً أن كل هؤلاء الضباط كانوا ضباطاً عاملين في الجيش العربي السوري، وتخرجوا من الكليات والمعاهد العسكرية النظامية، الغالبية المطلقة منهم لم تنضم لأية فصائل عسكرية معارضة، أو ميليشيات تتبع دولاً أو منظمات إقليمية، فهي بالتالي لا تعبر عن أي جهد أو توجه غير سوري بالمطلق.

وبالمقابل فإن ذلك استدعى أن لايكون لهذه المجموعات أي أجندة سياسية تعبر عن أي توجه غير سوري ، عربياً كان أو إقليمياً.

بعض هؤلاء الضباط انضموا لفترة إلى ماكان يسمى الجيش الوطني الحر وانتهى دورهم بالتدريج مع عملية الإقصاء والتهميش المبرمجة والممنهجة ضده لصالح الميليشيات والفيالق والفصائل التي تمثل توجهات إقليمية لا تلتقي بالضرورة مع توجهات الشعب السوري، وبنفس الوقت فهم بعيدون عن فكر العصبيات الطائفية والدينية والعرقية، باختصار شديد هم يمثلون فكر وروح الدولة الوطنية، لا يغير في ذلك أنهم عبَّروا عن رفضهم الإنصياع لأوامر النظام عندما زج بالجيش بمهمة خارج حدود التكليف الوطني والشعبي.

هذا العزوف عن الإنقياد للأجندات الغير وطنية وغير سورية لم يكن بلا ثمن، وثمن عال أيضاً، فترى غالبية هؤلاء الضباط تعيش في ظروف أقل ما يقال فيها أنها ضاغطة للغاية، اضطروا معها للقبول بأعمال بسيطة ويدوية لاتتناسب ومستوى تحصيلهم العلمي والعسكري، لتؤمن لهم الحد الأدنى من كفاف عيش يصون كرامتهم وكرامة عوائلهم.

الأمر الثاني اللافت هو التوافق شبه الكامل بين كل هؤلاء الضباط على المناداة بالعميد مناف طلاس ليقود هذا المجلس العسكري الإنتقالي الذي يدعون له.

في لقاء له مع صحيفة القدس العربي، أنقل عنه هنا،يقول: (( المقدم أحمد خالد القناطري الذي يعمل ضمن فريق العميد مناف طلاس أن أكثر من 1400 ضابط منشق من كافة الرتب والاختصاصات ومن كافة مناطق سوريا طالبوا «بتشكيل مجلس عسكري انتقالي برئاسة العميد مناف طلاس كونه الشخصية الأكثر قبولاً لدى معظم ابناء الشعب السوري والأكثر قدرة على جمع القسم الأكبر من أبناء الشعب بكافة أطيافه» وذلك عبر عريضة تداولها الضباط، وتشرح صيغة تشكيل المجلس وآلية عمله ومهامه.)) انتهى الإقتباس من القدس العربي.

مايقوله المقدم قناطري مفهوم ومبرر ، على الأقل بحكم أنه كان ضابطاً عاملاً في موقع قريب من موقع العميد مناف، لذلك حاولت أن أتابع عن قرب مايدور في مجموعات التواصل الإجتماعي التي تتواجد بها مجاميع العسكريين المنشقين بكثافة وقد فاجئني فعلاً مدى الإنسجام والتنسيق بين هذه المجاميع وتوحد الرؤية لديهم، أرد ذلك إلى سبب جوهري وأساسي وهو أنهم كلهم أتوا من رحم الجيش النظامي، ربما يقول قائل هو جيش النظام، بل هو جيش سورية، كل سورية ، قبل أن يكون له أي توصيف آخر.

مالفت نظري أكثر في كلام المقدم قناطري هو قوله، وأعود للإقتباس من القدس العربي:

(( «المجلس العسكري يجب أن يكون جنباً إلى جنب مع مجلس سياسي يتم تشكيله بناء على قواعد وطنية، ويعمل هذان المجلسان كهيئة حكم انتقالي تؤمن الظروف المناسبة خلال مرحلة الحكم الانتقالي، حتى الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية يحكمها القانون». )). انتهى الإقتباس.

هذا الكلام في الحقيقة إن تم العمل به فهو يعبر عن تطور حقيقي في فكر عسكريين تدربوا وتخرجوا وخدموا في صفوف جيش عقائدي يؤمن بحكم الحزب الواحد والقائد الواحد، والجيش الذي يُؤَمِّنْ كل ذلك ليكون بجدارة جيش نظام، لا جيش وطن.

ماهو الجديد إذن الذي استطاع أن يغير في فكر وعقيدة هؤلاء العسكريين ؟ ولماذا يجب على السوريين أن يثقوا في وعودهم وتعهداتهم ؟

لعل الجواب بسيط ومنطقي وهو أن هؤلاء الضباط لوأنهم أرادوا الإنحياز لفكر الحزب الواحد والقائد الأوحد للنظام الشمولي الذي أتوا منه لما كانوا مضطرين أصلاً لترك مواقع قيادية بعضها يحظى بامتيازات ومكاسب معروفة لكل سوري، ليخرجوا وعائلاتهم باتجاه مجهول ينتظرهم لا لشيء إلا وفاءً لقسم شرفهم العسكري في أن يكونوا حماةً ( للجمهورية العربية السورية ) لا أداة تنكيل بيد نظام اختار أن يواجه مطالب شعبية بسيطة وممكن تلبيتها ضمن سقف الوطن، بآلةٍ عسكريةٍ جبارة وجدت أصلاً لحماية كرامات وأرواح السوريين، كل السوريين.

المقدم قناطري مثلاً كان قائد سرية مدفعية في لواء الحرس الجمهوري المدرع الذي يقوده العميد مناف طلاس والمنوط به حماية العاصمة بحكم انتشاره على أحد مداخلها، هو اليوم يعيش وعائلته في ظروف أقل ما يقال فيها أنها دون العادية بكثير، الأمر لا يقف عند هذا الحد، ولكن عندما نعلم أن المقدم قناطري نفسه تعرض للإعتقال مرتين ولحوالي عامين بعد انشقاقه على يد جبهة النصرة وفي سجونها، فلنا أن ندرك ماهية الفكر الذي يتناقض مع فكر جبهة النصرة و يحمله المقدم قناطري الذي أورده هنا كمثال على الكثير من غيره من الضباط الذين ينادون اليوم بمجلس عسكري إنتقالي يقوده العميد مناف طلاس.

حسناً، ولكن لماذا مناف طلاس ؟

ولماذا هذا التوافق عليه الذي يحظى بشبه بإجماع كلي داخل وخارج صفوف عسكريي الخارج ؟

العميد مناف طلاس ليس أرفع ولا أقدم رتبة عسكرية انشقت عن النظام، لكنه قطعاً ودون أدنى شك الأكثر تأثيراً بحكم مجموعة أمور مهمة، أولها وأهمها علاقته القريبة والطويلة برأس النظام وبأخيه باسل من قبله، هذه العلاقة أتاحت له أن يكون على اطلاع دائم على كل خفايا النظام وآليات عمله، العسكرية والأمنية وحتى الشخصية، طبيعة التركيبة العائلية للنظام ساهمت بشكل كبير في جعل درجة القرب منها أمراً مفصلياً ومحورياً في معرفة العالم الداخلي لآل الأسد وخريطة علاقات العائلة وطرقها في بسط نفوذ سلطتها في دوائر الطائفة والجيش وأجهزة الأمن والحزب والحكومة، ولن أستغرب أبداً إذا علمت يوماً أن مناف طلاس يقرأ تشابكات القرابات والمصاهرات والولاءات العائلية والعشائرية ضمن الطائفة وانعكاسات ذلك في مراكز النفوذ ضمن الجيش وأجهزة الأمن بدرجة أكثر عمقاً من الكثير من أبناء الطائفة أنفسهم، لا أستثني من ذلك الكثير من الأسماء النافذة فيها.

الأمر الآخر الذي يميز العميد طلاس عن جميع العسكريين الذين انشقوا عن النظام أنه كان بالفعل أعلى رتبة عسكرية تقود قوات مقاتلة عاملة، فهو قطعاً لم يكن من ضباط المكاتب، وقيادته للواء مدرع من قوات النخبة في الحرس الجمهوري جعلته في موقع مهم جداً أتاح له معرفة آليات عمل قوات النخبة والقوات الخاصة ومحاور انتشارها.

من موقعه القيادي البارز وقربه الشديد من مركز القرار الأعلى وبمجموعة صفات شخصية لاتتوفر للكثيرين استطاع مناف طلاس أن يمد شبكة علاقات واسعة وعميقة وشديدة الحساسية تحول الكثير منها إلى علاقات شخصية من مستوى متميز تستند إلى ثقة عالية متبادلة مع العديد من الشخصيات المهمة والفاعلة والتي لا يزال يحتفظ معها بخطوط محورية ما قطعها ولا قطعوها، ولعل حالة اللااستقرار الطويلة التي مرت بها سورية قد أغرت الكثيرين بأن يبقوا على خطوط إتصال مفتوحة مع جميع الأطراف.

حتى الأطراف التي انقطعت علاقات العميد معها بخروجه ربما لا يحتاج الأمر لكثير جهد ووقت لإعادة وصل ماانقطع منها مستنداً إلى تاريخ من علاقات تمتد طويلاً .

في اللعبة السورية لايوجد طرف واحد يرغب في أن يبقى بلا مقعد ، عندما تتوقف لعبة الكراسي الموسيقية عن العزف، من هنا فالكل يحافظ على خطوط مع الكل، ولعل العميد مناف عرف تماماً كيف يحافظ على مخزون العلاقات الرهيب هذا الذي يتيح له عملية إعادة تفعيل وتأهيل سريعة لأي علاقة اضطر أحد طرفيها لتجميدها عند نقطة معينة.

الأمر المفصلي الآخر الذي يستند إليه مناف طلاس هو يقين ثابت لدى كل الأطراف المختلفة في سورية أنه لا يمثل ولا ينتمي إلى ولا يؤمن بأية عصبية طائفية أو دينية، أمر يستند في أهميته الشديدة إلى حقيقةٍ صادمة وهي أن للصراع من أجل الإنتقال السياسي في سورية والذي أصبح أمراً ملحاً للجميع بعداً طائفياً لا فائدة ترجى بعد اليوم من التستر عليه أو تجاهل مدى تأثيره، ورغم اقتناع الجزء الأكبر من السوريين بأن أي مقاربة للإنتقال السياسي لمافيه مصلحتهم جميعا يجب أن تستند لأسس وطنية لا طائفية، فإن كل ذلك لن يغير من حقيقة مهمة وعميقة وهي أن هناك طرفاً قابضاً على السلطة في سورية ولديه كل مقومات وأدوات الدفاع عنها، وسيبقى متمسكاً بها وبمنتهى الشراسة بغض النظر عن مدى توافقه معها أو اقتناعه بصوابية مسارها في تعبيرٍ حاد وصارخ عن هواجس طائفية مرعبة، من هنا تماماً تأتي أهمية ماتمثله شخصية مناف طلاس من توافق طائفي لاتعكره الهواجس التي أعاقت دوماً أي إرادة للمضي في أي عملية تغيير سياسي حقيقي صارت اليوم مطلباً ملحاً للجميع.

الأمر الأكثر صعوبةً في تشكيل أي مجلس عسكري إنتقالي هو الضرورة الملحة لتأمين حد أدنى من التوافق بين عسكريي الخارج وزملائهم من عسكريي الداخل الذين لازالوا في مواقعهم ، دون هذا التوافق لن يكون تشكيل مجلس عسكري انتقالي فاعل أمراً ميسراً على الإطلاق، أزعم أن العميد مناف طلاس ربما يكون في موقع يؤهله أكثر من العسكريين الآخرين جميعاً للقيام به بحكم مجموعة العوامل التي ذكرناها آنفاً.

الأمر الذي لايعرفه الكثيرون هو أن العميد مناف طلاس منذ الأيام الأولى للحراك الشعبي عمل بدأب متواصل على نزع فتيل الأزمة والتخفيف من آثارها عبر إطلاقه مجموعة مبادرات مهمة ومتقدمة مع العديد من المتظاهرين وزعماء الحراك خصوصاً في مدينة دوما بعد أن تمكن من إقناع صديقه الرئيس الأسد بصوابية واهمية الفكرة وحصل فعلاً على موافقته على إطلاقها، إلا أن تدخل بعض القوى النافدة جداً وقتها من محيط الرئيس العائلي ضغطت بشدة واستطاعت انتزاع موقف مختلف من الرئيس الأسد مما قضى على حظوظ مبادرة العميد مناف.

الأمر الذي تطور بعد ذلك إلى مواقف حادة بين العميد مناف وبعض هذه الأطراف واستدعى منه ملازمة بيته، الأمر الوحيد الذي نجح فيه مناف طلاس أنه استطاع أن يحيد لواء الحرس الجمهوري الذي في أمرته عن أعمال العنف والقتل ضد المدنيين، استمر في ذلك حتى لحظة خروجه من المشهد وانشقاقه، لعل هدا يفسر تاريخ انشقاقه الذي سبقته كل مبادرات التصالح التي ذكرناها آنفاً.

الأمر الآخر الذي لا يمكن تجاهله ولا الإلتفاف حوله هو أن طرح اسم مناف طلاس لا شك وأنه يثير مجموعة حساسيات محقة ومبررة عند أطراف كثيرة تستند إلى مجموعة السرديات اللامتناهية حول دور العماد مصطفى طلاس في التأسيس لحكم الأسد الأب ومايتم تداوله أيضاً حول دور العماد في تسهيل عملية نقل السلطة للأسد الإبن،

الأمران اللذان لم تنفهما عائلة طلاس يوماً وأبدت موقفها الحالي الرافض لهما ولكن رب من يقول وما فائدة هذا الموقف الآن، لهؤلاء أقول إنها ربما نفس الفائدة التي سيجنيها السوريون جميعاً من إعادة استذكار واستحضار هذه السرديات.

العماد الراحل اليوم بين يدي عزيزٍ مقتدر، ولكن مستقبل سورية وشعبها هو بين أيدي السوريين، والخيار هو أن نبقى أسرى هذه السرديات أو ننظر للأمام ونحاول الخروج بسورية وشعبها من المأزق المخيف الذي يحيق بالجميع.

كمواطن سوري يطمح في أن تجتاز بلده المأساة القاتلة التي تمر بها، لا تهمني حقيقةً مناقشة سرديات الماضي، ولكنني دون أدنى شك أجد أن العميد مناف طلاس وزملاءه من عسكريي الداخل والخارج مطالبون بمواقف واضحة وصريحة تتعلق بالمستقبل تتضمن تعهدات للسوريين جميعاً تتعلق بطبيعة المرحلة الإنتقالية ومدتها الزمنية وصلاحيات المجلس العسكري الإنتقالي وخطته للعمل من أجل ضمان السلم الأهلي والنظام العام والعدالة الإنتقالية في بلد جريح نخرت فيه كل آفات الحرب والفرقة والفساد والتمزق، وقبل هذا كله الضمانات التي تنظم عمل المجلس العسكري بالتوازي مع مجلس سياسي يحظيان بحد ادنى من اتفاق كل السوريين، ويشكلان معاً هيئة حكم انتقالي يقودنا جميعاً إلى سورية المستقبل.

الفنان السوري جمال سليمان في موقفٍ وطنيٍ لافت شدد في بوست نشره على صفحته الشخصية في الفيسبوك منذ أيام على مجموعة أمور، تتعلق بالمجلس العسكري الإنتقالي عندما قال:

وأقتبس من صفحته الشخصية:

(( طرحت فكرة المجلس العسكري كصيغة بديلة لجسم الحكم الانتقالي الواردة في وثيقة جنيف و التي بعد ست سنوات لم ترى النور و لا يوجد مؤشر على أنها ستراه و التي بدونها لا يمكن أن يكون هناك مرحلة انتقالية و بالتالي لا يمكن تنفيذ ٢٢٥٤، و لا يمكن أن نصل إلى صيغة حل سياسي ينهي الصراع و يضع سوريا على سكة التعافي ))

ثم يتابع في نفس البوست؛

(( و لكنني مع الوقت طورت هذا المقترح بما يضمن فعاليته و الحد من أعراضه الجانبية و كذلك اتساقه مع جوهر و هدف ٢٢٥٤. من هذا المنطلق كان لا بد من التفكير بمهمات هذا المجلس و صيغة إنشائه بحيث يكون واسع التمثيل، و كذلك مرجعيته التشريعية في إطار يخدم المصلحة الوطنية و يحقق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة السورية و هي الإصلاح السياسي الشامل الذي يفضي إلى دولة المواطنة و القانون و المؤسسات الحقيقية و التداول السلمي للسلطة.)). انتهى الإقتباس.

لعل في مااقتبسته من تصريحات المقدم قناطري للقدس العربي آنفاً بعض الإضاءات على هذه الأسئلة المشروعة التي تدور في خلد طيف واسع من السوريين هم مع فكرة المجلس العسكري الإنتقالي، ولكن هواجسهم المحقة تمثلت في ماصرح به الأستاذ جمال سليمان.

يتساءل الكثير من السوريين اليوم وربما أن تساؤلهم في مكانه، أين هو العميد مناف طلاس ولماذا لانسمع منه مباشرةً ؟

الحقيقة أن الإجابات التي يتمنى السوريون سماعها قد أتت فعلاً وفي مراحل سابقة على لسان العميد مناف طلاس، وأغلب ظني أنه موجود في صميم ساحة العمل المنظم بدليل التسارع الرهيب والتوافق المهم الذي حظيت به مسألة المجلس العسكري الإنتقالي حتى لحظة كتابة هذه السطور.

كان لافتاً وموفقاً في لحظته ماصرح به الكاتب والباحث السياسي والإقتصادي السوري المخضرم سمير العيطة في حديثه لقناة آر تي الروسية منذ أيام عن أن العميد مناف طلاس ربما اختار حالة الغموض الإيجابي، وأنا بتواضع آخذ بالجزء الثاني من الجواب المتعلق بإيجابية موقف العميد مناف ولا أرى غموضه، لربما تمثلت هده الإيجابية تماماً في خيار العميد طلاس بالمحافظة على مسافة معقولة من غموض و فوضى المشاريع والأجندات الغير سورية التي كان خياره منذ البداية واضحاً بالإبتعاد عنها.

أصل إلى النقطة الأخيرة التي أؤكد أنني سمعتها من كل من تحدث في شأن المجلس العسكري الإنتقالي وهي هذا السؤال الذي أصبح لازمةً مهمةً لايستطيع أي سوري إلا أن ينهي حديثه بها،

( وماذا عن التوافقات الدولية ؟ وهل من إشارات واضحة من المجتمع الدولي لقبول مثل هذه الفكرة ؟ ) وما إلى ذلك من أسئلة وإن كانت مشروعة ومبررة فهي تحمل دوماً معنىً واحداً وخلاصةً واضحة ، وهي أن السوريون مسَّلمون ومستسلمون لحقيقة أزلية ارتكست في وجدانهم عبر سنين طويلة، مفادها أن كل أقدار السوريين هي في أيدي غير السوريين، والتسليم بهذه الحقيقة هو أمر مخيف بغض النظر عن مدى دقتها، فهل يأتي اليوم الذي نقتنع به كسوريين بأنه رغم أهمية التوافقات الدولية، ورغم وجود الكثير من المؤثرات في سيرورة وصيرورة المشهد السوري خارج حدود سورية الجغرافية، إلا أن هذا لا يمنع أن تكون الخطوات الأولى لأي حل أو مشروع حل قد صيغت بأيدي السوريين، وعلى قياسهم هم، وأن اللحظة الحقيقية الوحيدة التي عليهم العمل دوماً على إنضاجها هي لحظة توافق السوريين فيمابينهم، وبذلك فقط نكون فاعلين في التعامل مع كل المؤثرات الغير سورية في المشهد السوري المعقد.