بحث
  • فرانس بالعربي

هيكل .. في ذكرى رحيله


بقلم نشمي عربي ( كاتب سوري يعيش في واشنطن)


في مثل هذا اليوم ١٧ فبراير من عام ٢٠١٦ رحل عن دنيانا محمد حسنين هيكل، ( باشا الصحافة المصرية ) كما سماه الصحفي السوري المخضرم، الراحل غسان الإمام، الذي أقدر له موضوعيته الكبيرة في توصيفه لهيكل.

أعيب على هيكل وقوفه ولو بالرأي ضد ثورة شعبي ، وانحيازه لصف النظام ، ولا أجد أبداً مايبرر له خطيأته تلك ، سوى أن أذكر نفسي بأن الإنحياز للحاكم كان سمةً من سمات المراس السياسي لهيكل، رغم الفوارق الشديدة بين قماشة هؤلاء الذين انحاز لهم هيكل دوماً.

انحاز هيكل لناصر، الذي كانت وطنيته ونظافة كفه طاغية بامتياز ، وكذلك تفرده بالحكم والرأي وقمعه للحريات.

ذكاء الرئيس عبد الناصر جعله يدرك قدرات هيكل الحقيقية فقربه منه واستفاد من مزايا كثيرة توافرت فيه، أهمها متابعته المستمرة للصحافة الغربية ( البريطانية والأمريكية تحديداً ) وقراءاته وتحليلاته المهمة لمواقف الغرب من خلالها، بالمقابل كان هيكل أميناً في نقل الصورة بكل أبعادها لعبد الناصر، الذي كان يحرص على مكالمة طويلة مع هيكل كل ليلة قبل أن يخلد للنوم.

قرب هيكل الشديد من عبدالناصر أعطاه فرصة ثمينة لقراءة مهمة ولافتة له، لعلها الأقرب والأدق لسبر ورصد نواحي في شخصية عبدالناصر ورؤاه لم تسنح لغيره، فكان ماكتبه هيكل عن عبدالناصر أقرب إلى القراءة والتحليل السياسي المحترف منه إلى بروباغاندا الأنظمة الشمولية.


لعل أهم إنجازات هيكل كانت في الإستفادة من موقعه عند ناصر للحصول على تشجيعه و دعمه المطلق في إنشاء ( مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ) الذي افتتحه عام ١٩٦٨ كمركز أبحاث على مستوىً عالٍ بستة وحداتٍ دراسيةٍ متخصصة، وعندما تخرجت هدى كريمة الرئيس عبدالناصر من كلية الإقتصاد والعلوم السياسية عملت في المركز الذي عمل به أيضاً قرينها حاتم صادق الذي عمل أيضاً في سكرتارية رئاسة الجمهورية.

برحيل عبد الناصر بدأت علاقة من نوع آخر تأخذ طريقها للظهور بين هيكل والسادات، وعندما عرض السادات على هيكل أن يختار منصباً وزارياً، تذاكى هيكل مع السادات وطلب موقع الصديق، التقط السادات بذكائه الإشارة وقرَّبَ هيكل وأخذ منه قراءة وافية ومهمة من الداخل لخريطة علاقات الدائرة المقربة من عبد الناصر، استفاد السادات منها بدهاء في تفكيك شبكة أخطبوطية ورثها عن ناصر، والإنقلاب عليها في ( حركة مايو ) تحت عنوان ( تصفية مراكز القوى ).

ظن هيكل أنه ( بَلَفَ ) السادات، ولم يدرك فداحة خطأه إلا في مكتب ( المدعي العام الإشتراكي ) الذي سيحيله السادات نفسه إليه بعد سنوات، حينها فقط أدرك هيكل خطأَ انحيازه إلى صف ( الرئيس المؤمن ) ، ليكون مستشاره ويده اليمنى في ( حركة مايو ) التي أطاح فيها السادات بعهدٍ كان هيكل نفسه سمةً أساسيةً من سماته.


قبل هذا وذاك فقد انحاز هيكل لنمطٍ صحفيٍ جديد، هو أكثر ( تعبويةً ) تعبر عنه أهرام هيكل ، مقابل نمطٍ صحافيٍ أكثر ليبرالية ، وحرفيةً وتسامحاً وانفتاحاً ، تربى عليه هيكل ، في أخبار يوم أستاذه مصطفى أمين.


لكل أصدقائي الذين أشاركهم وبكل صدق في رفضهم الشديد لمواقف هيكل السياسية في ( خريف العمر ) أتمنى عليهم قراءة كتاب هيكل ( بين الصحافة والسياسة ) .


يحق لنا دائماً أن نختلف بالرأي مع أي مشتغل بالشأن العام، صحافياً كان أو سياسياً أو مفكراً ، ويحق لنا أن نستنكر مواقف سياسية أو فكرية معينة له، دون أن نجعل من اختلافنا هذا سبباً في أن ننتقص من قيمته المهنية أو الحرفية.


أعلمُ أن هيكل استند في موقفه المستهجن من ثورة الشعب السوري إلى قناعةٍ راسخة في الدولة المصرية العميقة، تعود إلى أيام محمد علي وحملة ابراهيم باشا، تضع كل مايتعلق بسورية في صميم سياسة الأمن القومي المصري وتتوجس من أي تغييرات كبيرة في بلدي، وأختلفُ معه جذرياً في أنه رأى في استمرار نظامها بسياساته البائدة عامل استقرارٍ للمنطقة عموماً، ومصر خصوصا.


رغم العديد من مواقفه السياسية المستهجنة ، خاصة تلك في ( خريف، خريف العمر )

ورغم انحياز شبه دائم لمن هو في كرسي السلطة ،

ورغم تحويل صحافة مصرية ليبرالية رائعة تأسست على يد رواد لايتكررون من أمثال التابعي ، إلى صحافة تفكر وتتنفس وتتطور ضمن فكر ونفس وتطور ذهن الحاكم.


رغم كل ما سلف ، فإن هذا لا يجب أن يحجب مجموعة حقائق مهمة منها أن هيكل هو مدرسة في العمل الصحفي الممنهج والمحترف ، ورجل يتمتع بأفق سياسي ( وإن اختلفت معه ) إلا أنه أفق رحب وواسع ولا حدود لقدراته.


هيكل هو ظاهرة تستحق النقد الشديد ، ولكنه يبقى ظاهرة لا تتكرر كثيراً في تاريخ الصحافة.

0 تعليق

Subscribe Form

Téléphone + 33 6 44 98 82 61

©2020 by France en arabe /فرانس بالعربي

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now